بسم الله الرحمن الرحيم
آيـــة كأنني أقرؤها لأول مرة !
طلب مني صديقي التركي أن أشرح له الآيات 105-116 من سورة النساء.
فسألته: أليس عندك ترجمة ؟ قال: بلى،
ولكنها لم تكفني. فقرأت:
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا.
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ،
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا. هَا أَنتُمْ هَٰؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا...).
فلكأنني أقرؤها لأول مرة ! قلت: المعنى اللغوي واضح ! قال: نعم،
ولكن ما هو السر في هذه الأوامر الربانية الشديدة ؟
فأتيته بتفسير القرطبي ورحت أقرأ وأترجم له ما استطعت،
فاستمع كالتلميذ. ولما فرغتُ قال:
لو أن القرآن من عند محمد (صلى الله عليه وسلم) كما يقول الملحدون،
لما كانت هذه الآيات فيه !
فلا أحد في الدنيا يعاتب نفسه عتاباً شديداً مثل هذا!
ثم لو أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) لم يؤد أمانة الرسالة لأخفى هذه
الآيات عن أعين الناس، لما فيها من الصرامة.
ثم قال: إن أسلوب المفسِّر في استقصاء المسألة وما يتفرع عنها
هو أسلوب البحث العلمي الحديث! فذكّرته بأن علماءنا السابقين
هم أساتذة الحضارة الحالية، فلا عجب في ذلك.
لعل سبب نزول الآيات يوضح كثيراً مما خفي من أسرار هذه الأوامر الشديدة.
لكن المفاجأة هي أنها نزلت في تبرئة يهودي من تهمة سرقة وجهتها إليه
فئة من الأنصار، حيث دفعتهم عصبية القربى إلى تبرئة أحدهم من السرقة
باتهام هذا اليهودي! فشهدوا ضده أمام النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى
كاد أن يقضي عليه بحد السرقة، ويبرئ الفاعل الأصلي!
في آيات سابقة من السورة نفسها أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بأداء
الأمانة والحكم بالعدل بين الناس:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).
الناس على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، وقومياتهم وأوطانهم.
كما أمرهم ألا يتّبعوا الهوى، بل عليهم أن يشهدوا حتى على أنفسهم والوالدين والأقربين:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ
الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ، إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ
أَن تَعْدِلُوا، وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
ثم تجيء الآيات التي بين أيدينا كدرس حقيقي لتلك التعليمات الربانية.
وإنه لدرس عجيب حقاً، ففي وقت كان فيه اليهود يكيدون للإسلام وأهله
تنزل هذه الآيات لتربي المسلمين على الرقي بأخلاقهم، فلا ميزة
خاصة للأنصار الذين آووا النبي (صلى الله عليه وسلم)
ونصروه عندما يتعلق الأمر بحقوق العباد وحدود الله.
عندما اشتكى من سُرقت درعه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) عمد
السارق فرمى الدرع في بيت اليهودي، فلما وُجدت في بيت اليهودي جاء
أقارب السارق إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) يطلبون منه
أن يبرئ صاحبهم على رؤوس الأشهاد،
فنزلت الآيات وهي تحمل عتاباً للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه مأمور
بأن يحكم بين الناس بالعدل وألا يكون مخاصماً ومدافعاً عن الخائنين.
ومعلوم أن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) هو خطاب لأمته أيضاً.
جاءت الآيات لتوضح أن الله سبحانه وتعالى لا يحب الخائنين،
فإن كانوا يستخفون من الناس ويتآمرون فيما بينهم ليخفوا الحقيقة
فالله محيط بأعمالهم لا تخفى عليه خافية.
وإن وجدوا من يدافع عنهم في الحياة الدنيا فمن يدافع عنهم يوم القيامة؟
وفي الآيات تهديد ووعيد لمن يكسب خطيئة أو إثما،
ثم يرم به بريئا.
نزلت الآيات في تبرئة اليهودي، فالعدل أساس الملك،
وتبرئة البريء وإنصاف المظلوم أمور مهمة في حياة الأمم والشعوب.
لكن من يتتبع الآيات يجد أن هناك دروساً أخرى في تلك الحادثة،
من أهمها ضرورة إقامة الحق والعدل دون ميل مع الهوى أو محاباة
لأي سبب من قربى أو مودة أو مصلحة أو عكس ذلك.
والآيات التي جاءت بعد الآيات المذكورة تقرر بعض مبادئ العدل.
منها فتح باب التوبة والمغفرة لمن أخطأ أو أساء.
ومنها أن تبعة أي جريمة تلحق صاحبها وحده ولا تتبع غيره من أهله
(وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ)،
فالخطيئة لا تُتوارث.
ثم أوضحت الآيات فضل الله على رسوله(صلى الله عليه وسلم) بأن عصمه من الزلل،
وإلا لهمت طائفة من الناس أن يضلوه، لكن هيهات
فما يضلون إلا أنفسهم.
لقد كان بالإمكان أن يمر الحادث بهدوء دون أن يطلع عليه إلا من عرفه،
لاسيما وأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) في تلك الحقبة كان
في حاجة ماسة إلى نصرة الأنصار وإلى تماسك صفوف المسلمين،
إضافة إلى أن اليهود لا يدعون فرصة إلا وطعنوا بالإسلام وأهله،
فكيف يُعطون تلك الفرصة ليوجهوا سهامهم للطعن بالمسلمين؟
لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يربي المسلمين فينتصروا على الضعف
البشري ليستطيعوا أن ينهضوا بتكاليف إقامة الحق والعدل.
وهذا ما أهّلهم لقيادة البشرية فيما بعد،
حيث وجد أهل البلاد المفتوحة عندهم من الحق والعدل
ما جعلهم يدخلون في دينهم ويتمسكون بهم.
وما قصة مدينة طشقند إلا نموذج من نماذج دخول الناس
في دين الله أفواجاً.
ومن هنا ندرك لماذا نزلت الآيات لتعالج هذه المشكلة علناً دون إخفاء
أو تمويه أو حجب للحقيقة، وبقيت قرآنا يُتلى إلى قيام الساعة،
لتربي المسلمين على مدى التاريخ على القيم التي تقوم عليها
الدول والحضارات، وتسمو بهم في مدارج السالكين.
_____________