هل يجوز أن يقال: ظلم العبد لربه ؟


هل يجوز أن يقال: ظلم العبد لربه ؟ 335023_1337691402.gi

هل يجوز أن يقال: ظلم العبد لربه ؟


الحمد لله

الظلم يقع من الإنسان على غيره من عباد الله ومخلوقاته ، بأذيتهم في أعراضهم ، أو أبدانهم ، أو أموالهم ، بغير حق .
ويطلق الظلم على ما يقع من العبد من تفريط وتقصير في حقوق الله جل جلاله .

وهذا النوع من الظلم لا يقال فيه : إنَّ العبد ظلم ربَّه ، بل هو في الحقيقة ظلمٌ من العبد لنفسه ؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يتضرر بمعصية عباده ، كما لا ينتفع بطاعتهم .

قال سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل : ( وَمَا ظَلَمُونَا ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ).

قال ابن جرير الطبري : " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) وَمَا وَضَعُوا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُمْ إِيَّانَا مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْنَا وَمَنْقَصَةٍ لَنَا ، وَلَكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْهَا ، وَمَنْقَصَةٍ لَهَا ... فرَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ ، وَلاَ يَتَحَيَّفُ خَزَائِنَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مُطِيعٍ ، وَلاَ يَزِيدُ فِي مُلْكِهِ عَدْلُ عَادِلٍ ؛ بَلْ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الظَّالِمُ ، وَحَظَّهَا يَبْخَسُ الْعَاصِي ، وَإِيَّاهَا يَنْفَعُ الْمُطِيعُ ، وَحَظَّهَا يُصِيبُ الْعَادِلُ ".

انتهى ، " تفسير الطبري " (1/711).

ثم إن الظلم لا يقع إلا على من هو عاجز أو ضعيف أو مستضعف ، والله منزه عن هذا .
ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) قال :
" نحن أعز من أن نُظلم "

انتهى ، "تفسير ابن أبي حاتم" (1/116).

وقال الألوسي : " ظلم الإنسان للّه تعالى لا يمكن وقوعه البتة ". انتهى ، " روح المعاني " (1/265) .

قال ابن القيم : " فَمَا ظَلَمَ الْعَبْدُ رَبَّهُ ، وَلَكِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَمَا ظَلَمَهُ رَبُّهُ ، وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ ". انتهى ، " الجواب الكافي " صـ 71 .

ولذلك ما شاع على لسان البعض من أن الظلم منه ظلم العبد لربه ، وظلمه لنفسه ، وظلمه لغيره ، غير صحيح ، بل الصواب أن يقال : ظلم العبد فيما بينه وبين ربه .

وفي الحديث : ( الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ : فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا .

فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ).

وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا قَطُّ ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ .

وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَيْنَهُمُ ، الْقِصَاصُ لَا مَحَالَةَ ).

رواه الحاكم في " المستدرك على الصحيحين" (4/ 619) ، وفي سنده ضعف ، وله شاهد من حديث أنس عند أبي داود الطيالسي (3/ 579) ، وقد حسنه به الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1927) .

ومن العلماء من لم يذكر للظلم إلا قسمين .

قال ابن رجب الحنبلي عن الظلم : " وهو نوعان :

أحدهما : ظلمُ النفسِ ، وأعظمه الشِّرْكُ ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق ، فعبده وتألَّهه ، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها ، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون ، كما قال الله عز وجل : (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ .

والثاني : ظلمُ العبدِ لغيره ، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : ( إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ ، كحرمةِ يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ). ". انتهى ، "جامع العلوم والحكم" (2/36).

والحاصل : أن ما يقع من العبد من شرك وكفر وذنوب وكبائر ، هي من ظلمه لنفسه ، أو يقال فيها : ظلم العبد فيما بينه وبين الله ، والمراد بذلك : المعاصي التي لا تتعلق بحقوق العباد ؛ بل هي محرمة لحق الله تعالى ، ولا يقال : ظلم العبد لربه ؛ لما في هذه الجملة من الإيهام ، والله أجل وأعز من أن يقع عليه ظلم من عبيده .
والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب