الباص ما زال منتظراً…





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



عندما دعتني صديقتي في الجامعة للذهاب معها في إحدى الرحلات ترددت لعدِّة أسباب منها:
أنّ (هبة) ليست من نوع الصديقات اللاتي أفضلهن.
فهي فتاة ملتزمة دينياً،
ولها عالمها الخاص والهادىء الذي يختلف عن عالمي الصاخب،
كما أنني لا أحبّذ فكرة الذهاب في رحلات خاصّة بالفتيات
لأنّ هذا يعني بالطبع أنّ الرحلة ستكون مملّة ورتيبة،
ولكن أمام إلحاح (هبة) قررتُ الموافقة،
خاصة أنني أحبّ أن أُجرب كل شيء جديد،
بالطبع سيكون هناك ما أتحدّث عنه لأصدقائي وصديقاتي عند عودتي، فالأخبار
والقصص عن عالم الفتيات الملتزمات حتماً ستكون كثيرة جدّاً…
في اليوم المتّفق عليه ذهبتُ إلى المكان الذي سنجتمع فيه، وأنا أُحدّث نفسي: “يا تُرى ماذا سيقلن عن ثيابي الآن؟؟
مؤكّد أني سأكون الوحيدة بينهن الكاسية العارية”، وارتسمت على شفاهي ابتسامة سخيفة
تحوّلت إلى تكشيرة شديدة عندما سألتُ نفسي:
كيف سأتحدّث مع هؤلاء الفتيات، وأنا لا أحفظ شيئاً من القرآن الكريم إلا قصار السور،
ولا أعرف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
إلا: “بني الإسلام على خمس”،
ولكني طردتُ هذه الوساوس عندما قررت مواجهة هذا الموقف دون تردّد.
من بعيد رأيت (هبة) تبحث بنظراتها عني،
والابتسامة الجميلة نفسها التي تستقبلني بها كلّما تراني تُزيّن محياها، ممّا جعلني أُؤنب نفسي كثيراً لأنني كنت أستخفّ بها أحياناً،
صعدنا إلى الباص،
وكانت المفاجأة الأولى!!
أنّي وجدت نفسي محاطة بمجموعةٍ من الفتيات اللواتي كنّ بأجمعهن ملتزمات باللباس الشرعي
وكنّ في مثل سني وبعضهن أصغر وأجمل مني بكثير… (ليلى) تُفسح لي المجال للجلوس إلى جانبها،
و(عبير) صاحبة الابتسامة الخجولة تمسك يدي بمودّة وتسألني عن اسمي؛
أمّا خفيفة الظلّ (سهى) فأحاطتني بذراعيها من الخلف، وهمست بأذني إحدى الطرائف المضحكة جداً.
وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث،
وكم كانت دهشتي كبيرة عندما علمت أنّ بعضهن يدرسن في أعرق الجامعات
فمنهن من تدرس الطبّ والفيزياء والصحافة والـ graghic design،
ولكنهن رغم ذلك متواضعات،
والذي أعجبني فيهن أنهن مثقفات ليس فقط دينياً بل علمياً وسياسياً واجتماعياً،
إلى درجة أنهن كنّ جاهزات للرد على الاستفسارات الكثيرة التي كنتُ أطرحها عليهن،
وضحكت على نفسي التي كانت تتعالى عليهن ظانّة أنّها أفضل وأعلم منهن بكثير.
وصلنا إلى المكان المنشود الذي كان عبارة عن منتزه (للنساء فقط)،
وبدأنا جميعاً نتعاون على ترتيب الأغراض وتجهيزها، ولأوّل مرة في حياتي شعرت أنني حرّة كالفراشة،
فاليوم لن أكون فريسةً لنظرات الشباب التي تتأملني عندما تراني وسأكون بمنأى عن مغازلاتهم.
هذا هو إذن عالم المحجبات!!
وبدل أن يقيِّدني هذا الجو الملتزم كما ظننت،
وجدتُ نفسي أشارك صديقاتي
شي اللحم واللعب بكرة المضرب والجري السريع والقفز على الحبل.
بعد الغداء، اصطفَفْنا بجانب بعضنا البعض لأداء الصلاة جماعة،
وعندما قالت (هدى) “الله أكبر”
لم أشعر إلا والدموع تنهمر من عيني بغزارة،
فصرتُ أبكي على نفسي لأنني حرمتها من صحبة هؤلاء الفتيات اللاتي أسرنني بتواضعهن وبكلامهن الذي لا يتخلّله غيبة أو نميمة
وجذبنَني بسلوكهن الراقي وخُلقهن الذي يمثّل الإسلام أحسن تمثيل، فاليوم – بفضل الله تعالى ثمّ (هبة) – لمستُ الفرق
بين هذه الأجواء الإيمانية وبين أجواء الرحلات السابقة التي كنتُ أشارك فيها،
حيث كان يشوبها الاختلاط والصخب والضجيج.
لا أُخفي عليكن سرّاً إذا قلت لكن: إنّه قد مضت سنة كاملة على هذه الرحلة التي التزمتُ بعدها مباشرة بالحجاب الشرعي،
حيث يسّر الله لي ارتداءه رغم معارضة أهلي الشديدة، ورغم ذهول صديقاتي وأصدقائي – القدامى –
ومحاولاتهم المستمرّة لثنيي عن الانضمام إلى تلك الكوكبة الإيمانية من الأخوات اللاتي جمعتني بهن رحلة غريبة
قلبت حياتي رأساً على عقب.

ملاحظة: الحافلة ما زالت بانتنظار قوافل العائدات، والدعوة مفتوحة للجميع، فمن منكنّ ستلبي النداء؟