هل تريدين ان تظللين بظل عرش الرحمن يوم القيامة ؟؟؟

--------------------------------------------------------------------------------
إضاءات من حديث (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله )
علي بن عبدالعزيز الراجحي


عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله
ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله .
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه
ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه " متفق عليه( )

التعريف بالراوي :
هو الصحابي الجليل ، سيد الحفاظ الأثبات ، أبو هريرة رضي الله عنه
اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة ، أرجحها أنه :
عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، أسلم عام خيبر ، أول سنة سبع .
قال الذهبي : ( حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً
طيباً مباركاً فيه ، لم يلحق في كثرته )

ولم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منه ، لملازمته له
فقد بلغت مروياته 5374 حديثاً .

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إنكم تقولون :
إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمثل حديث أبي هريرة ؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم
لصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على
ملء بطني ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا .
وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكيناً
من مساكين الصفة أعي حين ينسون ، وقد قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه :
إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه
إلا وعى ما أقول ، فبسطت نمرة علي ، حتى إذا قضى رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري ، فما نسيت من
مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء( )
توفي أبو هريرة رضي الله عنه سنة سبع وخمسين للهجرة( )


المباحث اللغوية :
سبعة : هذا العدد لا مفهوم له ، فقد وردت روايات أخرى تبين
أن هناك من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، غير هؤلاء
المذكورين في الحديث .
يظلهم الله في ظله : المراد به : ظل العرش ، كما في رواية
أخرى : " في ظل عرشه " .
يوم لا ظل إلا ظله : المراد : يوم القيامة .
إمام عدل : الإمام لغة : هو كل من ائتم به من رئيس وغيره .
واصطلاحاً : كل من وكل إليه نظر في شيء من مصالح
المسلمين من الولاة والقضاة والوزراء وغيرهم والعدل ، ضد الجور ،
والعادل من حكم بالحق .
شاب نشأ في عبادة الله : خص الشاب بالذكر ، لأنه مظنة غلبة
الهوى والشهوة والطيش ، فكان ملازمته للعبادة مع وجود الصوارف
أرفع درجة من ملازمة غيره لها .
اجتمعا عليه : أي : على الحب في الله ، وتفرقا عليه كذلك ، والمراد :
أن الذي جمع بينهما المحبة في الله ، ولم يقطعها عارض دنيوي
سواء اجتمعا حقيقة أم لا ، فالرابط بينهما المحبة في الله حتى الموت .
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال : دعته ، أي : طلبته ، ومنصب : المراد به:
الأصل والشر والمكانة ، ويدخل فيه الحسب ، والمراد أنها دعته إلى الفاحشة .
ورجل تصدق بصدقة : الصدقة : ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة
سواء كان فرض كالزكاة المفروضة ، أو تطوعاً ، ثم غلب استعمال
الصدقة على صدقة التطوع .
فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه : المراد بذلك المبالغة
في إخفاء الصدقة بحيث إن شماله قربها من يمينه لو تصور أنها تعلم
لما علمت ما فعلت اليمين ، لشدة الخفاء .

خالياً : من الخلو ، بحيث لا يكون عنده أحد ، وإنما خص بالذكر لأنه
في هذه الحالة أبعد عن الريا ففاضت عيناه : من الدموع
خشية لله عز وجل .

الأحكام والتوجيهات :

1- من فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل بعض الأعمال ينال صاحبها
جزاء خاصاً ، لتميزه بهذا العمل ، وهذا فيه حث وترغيب في أمور كثيرة من الخير
وهنا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء هؤلاء السبعة الذين
تميز كل منهم بميزة خاصة ، وذكر هذا الفضل في أحاديث أخرى لغير هؤلاء السبعة ، مثل :
الغازي في سبيل الله ، والذي ينظر المعسر ، ومعين الغارم ، وكثير
الخطى إلى المساجد ، وغيرهم ، مما جعل أهل العلم يقولون أن
العدد المذكور لا مفهوم له، فلا يراد به الحصر .

وقد تتبع الحافظ ابن حجر رحمه الله تلك الخصال ، وأفرادها في كتاب
اسمه: ( معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال ) .

2- ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له أيضاً ، إذ تدخل النساء
معهم فيما ذكر إلا في موضعين ، هما :
أ‌- الولاية العظمى والقضاء ، فالمرأة لا تلي المسلمين ولاية عامة
ولاتكون قاضية ، لكن ينطبق عليها العدل فيما تصح به ولايتها
كمديرة المدرسة ونحوها .
ب‌- ملازمة المسجد ، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسد .
وباقي الخصال تدخل فيها المرأة .

3- لقد عظم الشرع أمر العدل ، سواء كان في الولاية العظمى
أو فيما دونها من الولايات ، حتى في أمور الإنسان الأسرية
كالعدل بين الزوجات ، والعدل بين الأولاد ، وغير ذلك ، قال تعالى :
( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم )( )
وقال صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم "( )
وقال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )( )
وقال صلى الله عليه وسلم " إن المقسطين عند الله على منابر من
نور عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون
في حكمهم وأهليهم وما ولوا )( )
وذكر الإمام العادل في أول الخصال لعظم أمر الإمامة والعدل فيها .

4- مرحلة الشباب من أهم مراحل العمر ، تقوى فيها العزيمة
وتكثر الآراء ، وتمتلئ بالحيوية والنشاط ، ولهذا من سلك منهج الله
في شبابه ، وغالب هواه ونزواته ، استحق تلك الدرجة العالية
المذكورة في الحديث ، وما يعين الشباب على تحقيق هذه الخصلة :
أ- طلب العلم والانشغال به .
ب- تعويد النفس على استغلال الوقت بشتى الوسائل ، كبر
الوالدين ، وقضاء حوائجهما ، وقراءة سيرة الرسول صلى الله عليه
وسلم ، وسيرة السلف الصالح .
ج- مصادقة الصالحين المستقيمين على منهج الله تعالى .
د- محاولة استغلال فرصة الشباب بحفظ كتاب الله تعالى أو شيء منه .

5- المساجد بيوت الله ، ومكان أداء العبادة المفروضة ، وأنواع من
العبادات المستحبة ، وميدان العلم والتعلم ،والمذاكرة والمناصحة
وكلها أعمال جليلة، يستحق الملازم لها ذلك الثواب العظيم
بالإضافة إلى أن المتعلق بالمسجد بعيد عن رؤية المنكرات ، وقريب
من الله سبحانه وتعالى ، فيصفو قلبه ، وتنجلي همومه وأكداره
ويعيش في روضة من رياض الجنة ، وبذلك تكفر سيئاته و تكثرحسناته
والتعلق بالمساجد لا يعني الجلوس فيها جميع الأوقات ، بل وقت دون وقت ، لكن إذا خرج منها فإنه يحب الرجوع إليها
وإذا جلس فيها أنس واطمأن وارتاحت نفسه .

6- العلاقات بين الناس قائمة على أسس متعددة من مصالح مادية
وقرابة ، وشراكة مالية ، وتجانس خلقي ، ونحوها ، والإسلام
يشجع قوة الترابط بين المسلمين على أساس من المحبة في الله
والقاسم المشترك فيها طاعة الله تعالى ،ونصوص الكتاب والسنة
تركز على هذا الجانب ، يقول تعالى : (إنما المؤمنون إخوة )( )
ويقول تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )( )
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أوثق عري الإيمان :
الحب في الله . والبغض في الله )( )

7- للنفس البشرية رغبات وشهوات ، وجه الإسلام لإشباعها بمنهج
ثابت معلوم ، والشيطان حريص على أن يميل الإنسان مع شهواته
ويتبعها حتى يشاركه في الغي والضلال ، ومما يميل إليه الرجل
المرأة ، فإن اتصفت بصفات الجمال والمنصب والحسب والشرف ، كان
إليها أكثر ميلاً ، فإذا ما كانت الدعوة موجهة منها ، مع الأمن من
الخوف تساقت إليها نفس الرجل أكثر وهنا يظهر داعي الإيمان عند
المؤمن الصادق ، فيقول : إني أخاف الله ، فإذا قالها بلسان وصدقها
عمله ، نال جزاءه العظيم المذكور في الحديث ، وهكذا يريد الإسلام
بأن يكون الرجال والنساء أعفاء شرفاء ، بعيدين عن الفواحش والآثام
والمحرمات ، يراقبون الله سراً وعلانية .
قال الشاعر :
وإذا خلوت ريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

8- الصدقة مبدأ عظيم ، وفضلها جسيم ، وثمارها يانعة ، في الدنيا
والآخرة ، لا تحصى النصوص في بيان فضلها وثوابها ،ومضاعفة الأجر
لصاحبها ، وقربه من الجنةورضا الله ، وحجبه عن النار ، يقول الله تعالى :
( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )( ).
والصدقة فاضلة سراً وعلانية ، يقول تعالى : ( إن تبدوا الصدقات
فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من
سيئاتكم والله بما تعملون خبير )( ).

والأفضل في إظهار الصدقة أو إخفائها يختلف باختلاف الأحوال ، فإن
كان في إظهارها مصلحة فهو أفضل ، وإلا فإخفاؤها أفضل فرضاً ونفلاً.

9- ذكر الله تعالى من أفضل الأعمال ، ومن أيسرها ، فقيه ثناء على
الله ، وتمجيد ، وحمد ، وشكر له بما هو أهله ، واعتراف بالتقصير
تجاهه ، وإذا كان هذا الثناء والذكر بعيداً عن أعين الناس، وأثر في
صاحبه خوفاً وخشية دمعت منها عيناه ، أثابه الله تعالى على هذا
الذكر الصادق الخالص بأن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

10- مما أفاده الحديث : إخلاص العبادة لله جل وعلا ، فالأمر الجامع
بين العمال المذكورة في الحديث إخلاصها لله سبحانه وتعالى
وتجريدها عن المقاصد الأخرى .

11- ومن الأمور الجامعة بين هذه الصفات أيضاً : الصبر والتحمل ، ولا
شك أن طاعة الله تعالى وتنفيذ أوامره تحتاج إلى صبر ومصابرة ، لأن
فيها معارضة للشيطان والنفس والهوى ، فإذا جاهدهم وانتصر
عليهم استحق الجزاء الأوفى.

12- مما يرشدنا إليه الحديث أيضاً : أن يحرص المؤمن على أن يوجد
له عملاً خفياً لا يعلم عنه أحد من الناس ، ليكون أبعد عن الرياء
وليتعود الإخلاص، فإن هذا مما يزيد ممارسته لتلك الأعمال الجليلة .