الاعتراف يهدم الاقتراف






الاعتراف بالخطأ والإقرار بالعيوب .. هو أول خطوة للوصول إلى العزلة الشعورية عن الواقع، التي بدأناها في المقال السابق ..
فالاعتراف يهدم الاقتراف، ويُيَسِّر عليك التوبة، ويقيك التمادي والإسراف .. يقول الله عزَّ وجلَّ {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102] ولابد للاعتراف بالخطأ والإقرار بالعيوب من أمور، هي:
1) تخلَّص من الكبـر ..
إن الكبر يمنعك من الاعتراف، ويدفعك إلى رفض اتهام النفس والتوبة من الذنب .. قال رسول الله "الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" [صحيح مسلم] .. وبطر الحق، يعني: رده.
ويقول إِبْرَاهِيْمَ بنَ أَدْهَم "مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أَحَبَّ الشُّهْرَةَ"، ويقول الإمام الذهبي معلقًا عليه "عَلاَمَةُ المُخْلِصِ الَّذِي قَدْ يُحبُّ شُهرَةً، وَلاَ يَشعُرُ بِهَا، أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، لاَ يُبرِّئُ نَفْسَه، بَلْ يَعترِفُ، وَيَقُوْلُ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهدَى إِلَيَّ عُيُوبِي، وَلاَ يَكُنْ مُعجَباً بِنَفْسِهِ؛ لاَ يَشعرُ بِعُيُوبِهَا، بَلْ لاَ يَشعرُ أَنَّهُ لاَ يَشعرُ، فَإِنَّ هَذَا دَاءٌ مُزْمِنٌ" [سير أعلام النبلاء (439:13)]
فلابد قبل الإبحار أن تتخلَّص من عقدة الكِبر التي تغرقك في بحر العيوب .. وقعر البحر جهنم؛ فلا يدخل الجنة من كان في قلبه مقدار ذرة من كِبر.
لا تُبَرِّيء نفسك .. ولا تدافع عنها .. ولا تُحْسِن الظن بها،،
2) تخلَّص من العُجب ..
شهر رمضان، شهر الصوم وضمور البطن وضعف الأبدان، لا يليق به أن تُعجَب بنفسك أبدًا ..
لأن إعجابك بنفسك يمنعك من رؤية عيوبك؛ فتطغى .. {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (*) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6,7]
يقول ابن القيم في منزلة المحاسبة "متى رضيت نفسك وعملك لله؛ فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيبٍ وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!" [مدارج السالكين (176:1)]
فلا تُعجب بنفسك ولا بعملك ولا بمركبك؛ إنما الوصول وحصول النجاة بفضل الله وحده،،

3) تخلَّص من الغرور ..
فالمغرور يرى سيئاته حسنات، فيكون على الباطل ويظن أنه على الحق .. يقول الله عزَّ وجلَّ {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (*) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103,104]
والمغرور لا يقبل النصيحة، فيهلك من حيث يرى أنه سينجو ..
فلابد أن تتواضع وتقبل نصيحة من ينصحك، ولا تحتقر أحدًا ولا شيئًا؛ بل التمس الخير ممن جاء به.
4) اكشف السترة الضبابية؛ لترى من هم أفضل منك ..
قد يُبتلى الإنسان في بصيرته بذنوبه، فيصبح أعور البصيرة أي إنه يرى الأمور من جانب واحد فقط، أو يُصبح أعشى البصيرة فيرى الأمور على غير حقيقتها .. نعوذ بالله من عمى البصيرة.
وبعض الناس رؤيته ضبابية، فيرى نفسه المتميز الوحيد في هذا العالم، فهو وحده الذي يفهم، وهو وحده المجتهد في طلب العلم، وهو وحده الغيور على الأمة، وهو وحده الذي يدافع عن التوحيد ويحيي معاني الجهاد .. إلخ.
لا يرى أحدًا في العالم إلا نفسه .. مسكين هذا الإنسان!!
لو انزاحت عن عينيه ضبابية تأليه الذات؛ لرأى غيره ممن لم يكن يراهم، وهم أفضل منه .. سبقوه وعرفوا ربهم قبله.
كما في قوله تعالى {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49]
قد يكون بجوارك من لا تعده ولا تقدره، وقد سبقك إلى الله وعلاك، وإنما ضَبَّب رؤيتك حَكر عينيك على نفسك ..
فافتح عينيك؛ لترى الأمور على حقيقتها،،