التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة

التحاضير الحديثة


روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

اسمي غالب. مضى على يوم مولدي عقدان وبضع سنواتٍ وما زلت أعاني من غلبة وجودي المأزوم، دخلت السجن غير مرة ٍ، وأهم مرحلة في حياتي تلك التي قضيتها في دار

روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر


+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 4 1 2 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 75

الموضوع: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

اسمي غالب. مضى على يوم مولدي عقدان وبضع سنواتٍ وما زلت أعاني من غلبة وجودي المأزوم، دخلت السجن غير مرة ٍ، وأهم مرحلة في حياتي تلك التي قضيتها في دار

  1. #1
    الصورة الرمزية خالدالطيب
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً

    شخصية هامة Array
    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر


    اسمي غالب. مضى على يوم مولدي عقدان وبضع سنواتٍ وما زلت أعاني من غلبة وجودي المأزوم، دخلت السجن غير مرة ٍ، وأهم مرحلة في حياتي تلك التي قضيتها في دار الأحداث، حين شاهدوني بعد الثانية عشرة ليلاً أتجول بمفردي في ساحة "سعد الله الجابري" وكان عمري حينذاك أربعة عشر عاماً، قلت: كنت أتجول، أدور قالوا: كذاب رأيناك تتسول، "هل ُشبهت لهم؟!!".
    في الدار كان يزورنا المرشد الاجتماعي يعطينا دروساً في الأخلاق وفي الحياة، كنت أبتسم وأنا أراه يتحدث عن الفضيلة والشرف، حتى ناداني ذات مرة:
    - تعالَ، ما يضحكك ؟
    خجلتُ من سؤاله وملتُ برأسي، مدّ يده نحو ذقني ورفع بأصابعه وجهي نحو وجهه وحدق فيّ ملياً ثم قال :
    - بعد الدرس، أريدك !
    عدت إلى مكاني وأنا قلقٌ متوترٌ " ُترى ما يريد مني ؟ وهل سيشكوني إلى مدير الدار ؟ لكنّ المدير لن يسمعه فهو يحبني ويقول غالب حساس و"شاطر" !
    بعد الانتهاء من الدرس أشار بيده فتبعته وأنا مطرق الرأس وجل الخطوات، في غرفة الملاحظة جلست أمامه فسألني :
    - ما اسمك ؟
    - غالب.
    - اسمٌ جميلٌ، ما تهمتك ؟
    - تجولْ بعد منتصف الليل !!
    حدق في وجهي مستغرباً ثم سألني :
    - ماذا تحب في الحياة وماذا تكره ؟
    أجبت :
    - أحب الطبيعة والنقود كثيراً، وأكره البخيل والجبان، وأن ترشقني سيارة بماء الشارع، وأن أسمع كلمة مغضوب!!
    نظر في عينيّ، شعرت به يغوص في البؤبؤ عميقاً ومن غير أن ترف عينه قال متابعاً:
    - من تحب من أهلك، أقربائك، أصدقائك ؟
    - خالتي أم جميل وصديقي عيسى.
    - وأمك وأبوك وأخوتك وباقي الناس ؟
    ساد الغرفة الصمت، هو ينظر في وجهي وأنا أتأمل الستائر والهواء المتسرب من النافذة، وبعد الدخول في دائرة السكوت، عاد يسأل :
    - إذا شاهدت عاجزاً طلب مساعدتك ما تفعل؟
    - حسب حاجة العاجز إليّ !
    - إذا شاهدت مالاً وصاحب المال أزعجك ما تفعل ؟
    - أسرق المال الموجود انتقاماً منه !!
    كادت عينا الرجل تنفجران، وبضغطٍ على أعصابه التي صارت قلقة متوترة قال متابعاً :
    - ماذا تحب في نفسك، وماذا تكره ؟
    - أحب قلبي الطيب ولساني، وأكره أن أكون جباناً !!
    - ماذا تحب في أبيك، وماذا تكره ؟ وماذا تحب في أمك وماذا تكره ؟
    - أحب فيه شطارته في السيطرة على "الزبونة" وأكره اتهاماته الباطلة وأحب في أمي صمتها، وأكره تعظيمها للأمور!
    - إذا تزوجت كم ولداً تفكر أن تنجب؟
    - حوالي العشرين !
    بدهشة ٍ واضحة النبرة سألني :




  2. = '
    ';
  3. [2]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر


    - لمَ؟
    - كي أكون صاحب عشيرة !
    - لمَ ؟
    - ليدافعوا عني في صدّ المشاكل !!
    - أتحب المشاكل ؟
    -.......... .........
    - إذا تمرد أحد أولادك عليك، ما تفعل ؟
    - أطرده !!
    - هل تحب أخوتك ؟
    - فقط أختي فريدة !!
    - لماذا؟
    -.......... .....
    - هل تخاف من العمل ؟
    - لا !
    - هل حلمت برئاسة مركز ما ؟
    - نعم
    - مثل ماذا ؟
    - رئيس عصابة لسرقة الكروم، كما حلمت بشراء مسدس!!
    شعرت من تحديقه في وجهي كأنه أراد صفعي على وقاحتي في هذه الجرأة المبالغ بها، لكنها حقيقة مشاعري وطموحاتي، هو يسأل وأنا أجيب من خلال معمل أفكاري الملتهب، ولأنه وجدني كنزاً ثميناً تابع الأسئلة :
    - هل تحب العلم ؟ ولمَ لمْ تتابع تعليمك ؟
    - أحب العلم وكنت أرغب في أن أكون ضابطاً بالجيش يؤدي العسكري التحية لي باحترام ٍ، ووالدي حرمني من المدرسة لأني رسبت في الأول الإعدادي !!
    - هل تشعر بالنقص من شيء ما ؟
    - أشعر بعدم وجود الرعاية والحنان في حياتي منذُخلقت!!
    - لمَ ؟
    - لا أعرف !!
    - أمنياتك ؟
    - أن أكون أقوى مخلوق ٍ على وجه الأرض !!
    - على من تحقد ؟
    - على نفسي !!
    - لماذا؟
    - لأنني منحوس !!
    - أي الزهور تحب ؟
    - الياسمين !
    - أي الألوان تحب ؟
    - الأحمر !
    - لماذا ؟
    - لأن أصدقائي يحبون اللون الأحمر وينتسبون إلى نادي الاتحاد !
    - هل تفكر في أن تكون لاعباً مشهوراً ؟
    - لا، لا أفكر !!
    - هل تقبل النصيحة وتعمل بها ؟
    - لا !!!
    وجعلته يطوي الدفتر ويهز رأسه مثل مصاب بداء الرُّعاش لأعود إلى حيث كانوا يجلسون أمام الشيخ الذي حضر ليعلمنا كيف نتلو القرآن.
    *************

  4. [3]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    الآن أنا في السجن المركزي، جاءنا صوت المنادي:
    إسماعيل، عدنان، غالب، مصطفى، وضعوا الأصفاد المعدنية في أيدينا، صعدنا إلى داخل سيارة شاحنة مغلقة، دخل معنا أربعة رجال من الشرطة، وأُغلق الباب علينا، لم أفكر بالهرب كما يحصل في الأفلام العربية والأجنبية، شعرت بالغثيان من رعدة الخوف، انتابت مشاعري الواهنة كآبة لصيقة لا تعرف الابتسام، وكيف تعرفه والقاضي لن يسمعني،لأنه سيقرأ ملفّ الدعوى أولاً، ولأنه لا يحكم على الناس من خلال مشاعره.
    مساء البارحة كنت قوياً، استحضرت في ذاكرتي دفاعي عن نفسي أمام سيادته والحاضرين في قاعة المحكمة:
    "- نعم يا سيدي، أنا المتهم. ولكني لست زعيم عصبة كما ورد في الملف!
    أنا الطريد المطرود، أنا الذي حمل وزر أب كان صاحب عقدة!
    اشتغلت معه في محل ٍ كان يملكه منذ الطفولة ؛ علّمني فن المساومة مع النساء بطريقته وحنكته لأكتشف بعد فوات الأوان سبب انزلاقي داخل وادٍ من السقوط أملس.
    وادٍ لم أستطع الخروج منه ولا التحرر من سياج أشواكه التي أدمت مراحل حياتي كلها.
    كان فيه نوع من الإدمان، ونوع من اللعنة، ونوع آخر من ضعف لاإرادي فقد قدرته على التفكير لأنه وقع تحت سيطرة ضعفٍ من نوع ٍ مهيمن ٍ !
    كنتُ أنصرف من مدرستي و"صدريتي" على جسدي ومحفظتي فوق ظهري أمسك بها من خلال حزامين يدخلان تحت إبطي.
    كان المحل صغيراً غرب جامع شبارق في حي الميدان وكان يجب عليّ فور انصرافي من المدرسة أن أسرع نحو المحل كي أغسل أرضه، وأمسح الغبار عن الرفوف، وأبيع الزبائن، أفرد وأطوي الملابس القطنية ذات المقاسات المختلفة، وأعيد ترتيبها من جديد مثل رجل حاذق ماهر!!
    حين صمتت دواليب السيارة عرفت أنّا قد وصلنا، طالبونا بالنزول والأطواق الحديدية تطوق معاصم الروح.
    غبشٌ تراقص أمام نظراتي التائهة، أغمضت عينيّ فتحتهما، زحام هائل يملأ الردهات صخباً وضجيجاً، ألف قلبي الذليل وأدخل القفص حين دخلنا قاعة المحكمة.
    بعد ساعة من الانتظار اللزج صرخ الحاجب :
    - الدعوى رقم ( 15 ) ؛ ودون أن ينظر القاضي في وجوهنا ومن دون أن يقول شيئاً ليرحم ذلنا، وبعد أن قلب الأوراق قال :
    - تؤجل الدعوى مدة شهرين اعتباراً من تاريخه.
    حينئذٍ أحسست أني أغوص داخل خندق ضعفي وانهزامي، خافض الرأس

  5. [4]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    كسير النفس منادياً آهات الوجع المتغلغلة في أعماق الروح أن تلزم الصمت !.
    حين عدت إلى الزنزانة، وجدت أن حياتي في داخلها لا تختلف عن حياتي في منزلنا. فأنا لم أعش طفولة حقيقية، رأيت نفسي مع أم ٍ ممسوسةٍ بالتنظيف، غارقة في شؤونها لا تهتم بأطفالها ؛ ووالد منهمك في حساباته بين الإدخالات والإخراجات، ما ينفك يوهمنا أن خسائره متزامنة بسببنا.
    انبثقت آلامي تحكي عن قصة حياتي المحددة بالعذاب المؤلم الجارح، العذاب الذي جعلني أتوجس من الخوف، والخوف كان السبب الرئيسي في ممارستي للكذب والغش والخداع، تمركزت عتمة ُظلمه من صفعة أولى لكذبة أولى وقعت فيها مثل طعنة غادرة، ما غادرت عقلي لأنها بقيت محفورة على أفنان الروح المتكسرة تؤلمني بمرار إفرازات عصارات العلقم، والتي لم أستطع دفنها وما استطعت !!.
    كان داهية، متمنطقاً بوسامة لا تقدر على كشف خفاياه، أوقعني في صيده وهو يبتسم قائلاً :
    - سأشتري بضاعة بالجملة.
    ولأني تواق إلى إرضاء أبي، فقد غردت روحي التي فرحت مثل تغريد البلابل في فسحة من طبيعة غنّاء "سيرضى أبي عني وسيفرح جيبه ". ومن أجل كسب هذه المودة، قلت بلا ترددٍ والبراءة تسطع من شفتيّ كما سطوع الشمس في فصل الربيع :
    - تحت أمرك أستاذ.
    اعترتني الغبطة وأنا أطوي له البضاعة بشكل أنيق ٍ ومرتبٍ رغم صغر سني، ولأني صغير السن، فقد أوصد أبواب عقلي الطفل عن التفكير بعواقب الأمور، حين أقنعني بهدوئه اللا مشكوك به أن أرافقه إلى حيث يسكن فالبيت قريب من المحل وفي نهاية الشارع !.
    ما فعلته كان بالنسبة لي حدثاً رائعاً، فرصة العمر الذهبية فقد أردت من خلال ما فعلت أن أثبت لأبي أني رجل وسيد المحل في غيبته، وأستطيع تحمل المسؤولية، وملامح الرجل وأناقته تنفي الشكوك فابتسامته دائمة الوسامة، لهذا لم أرهبه وأنا أمشي إلى جانبه !.
    أمام باب العمارة وقفت طويلاً، تحولت الدقائق إلى ساعات من الانتظار الصعب، وحين فقدت قدرتي على الصبر في انتظاره خاوي اليدين سارعت في

  6. [5]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    الصعود إلى حيث أشار مؤكداً لي أنه لن يتأخر.
    جبلٌ من حمم بركانية انهار فوق رأسي وطفرت الدموع من عينيّ رغماً عني من صهيل دقات قلبي الباكي بغزارةٍ، أين هو؟ كيف اختفى ؟ أية طامة آثمة وقعت في جريرتها ؟.
    على منظري الحزين أبدى أصحاب الدكاكين المجاورة لمدخل العمارة أسفهم، فاقترب أحدهم مني وسألني :
    - ما بك يا عم ؟ لمَ البكاء ؟
    أجبته ونار الخيبة من خسارة لم تكن في ميزان الحساب تزيد من فتيل اشتغال الدموع في عينيّ وأنا أشهق :
    - سرق البضاعة!
    - من هو ؟
    - لا أعرف! !.
    الخوف يجعلني أروي للغريب صاحب الدكان ما حصل معي ولا أحكي لأبي، أخبرته بالقصة من دخول الرجل إلى المحل حتى وقوفي عند مدخل باب العمارة، حينذاك أمسك الرجل بيدي وصعد معي إلى الطابق الرابع، دق الباب بتكور أصابعه، كرر الطرقات بقوة، فتحت المرأة التي وبختني قبل قليل ٍ، وبانزعاج ٍ واضح النبرة، قذفت ببضع كلمات ساخطة كأنها تقذف بعظام ٍ من خروفٍ مذبوح ٍ إلى كلبٍ جريح:
    - هذا البيت أصحابه في أمريكا منذ عشر سنوات، ألن ننتهي من هذا السؤال ؟ !. وأغلقت الباب بعنف ٍ.
    تفحص الرجل الدرج، نظر نحو السطح، فهم ما حصل ودون أن أسمع ما قاله بعد أن نزلنا، غادرت الحارة، وأنا أمسح بكم قميصي مخاط أنفي، وثمة خوفٌ فظيعٌ ارتسم في عقلي المرتبك وأنا أتخيله يعاقبني!!.
    كنت محقاً في خوفي فهو لن يسمعني، وكي أتخلص مما وقعت فيه فقد قبلت أن أقايض عقلي المرتبك على الخداع قبل وصوله على حين غرة والفزع يعتصر خلاصة قلبي.
    " - ماذا لو حضر فجأة وشاهدني وأنا أضع علب الكرتون الفارغة محل البضاعة المسروقة، ما سيفعل بي ؟ أي عقاب ينتظرني؟ ".

  7. [6]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    كان لتأخره رحمة تنزلت من السماء كي تنقذني ووجهي البائس المعفر بصفرة الفزع الكامنة داخل أوتار روحي الممزقة كانت تتمنى الموت كلما تذكرت ما حصل معي وما سيفعل بي !.
    حين دخل المحل، ارتجت الأرض تحت قدميّ الصغيرتين وحين رآني على هذا الشكل استفسر عن أسباب شحوبي فأجبته مرتعشاً وأنا أجتر الكلام بتوعك الخوف:
    - بطني تؤلمني، لم أبعْ شيئاً، أيمكنني الذهاب ؟
    وكأني سمعته وأنا أحمل محفظتي و"صدريتي" مثل الحمامة في وقت دنو أجلها يقول :
    - اذهب من وجهي سأغلق المحل، سأعمل بسطة لبيع "الخيار" افتحا مشفى، هي الأخرى متعللة، الله يلعن الساعة التي جمعتني وإياكم!
    ركضت مذعوراً وكلماته تطاردني، تلسعني، تخزني مثل شوك "افتحا مشفى، الله يلعن ال !"
    دخلت المنزل لاهثاً، وجدت الضباب معششاً في أرجاء المنزل فعربد الظلام في داخلي، أمي وجدتي تتشاجران وقشعريرة باردة تسري في عروقي فأرغب بالتقيؤ!
    تحرد جدتي وكعادة أمي في وساوسها من النظافة تندب حظها من نكد ما تفعله جدتي، لتعود من جديد تمارس جنونها في مسك الليفة والصابون من دون أن تلتفت نحوي أو تسألني :
    - ما بك؟ لمَ أنت أصفر كالزعفران ؟.
    في ذلك اليوم تكورت على الأريكة مرتجفاً من شدة الخوف، وأنا أسأل نفسي: " ماذا لو اكتشف أن العلب فارغة ؟".
    فأتخيله قادماً نحوي والخرطوم في يده، ويد العم أبي حسن تربت كتفي :
    - هيا، انهض، وقت الطعام !.

  8. [7]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    كان السجين أبو حسن يدعوني إلى الطعام، وكنت أناديه بعمي تلك الكلمة التي حُرمت منها وعذبتني كثيراً وأنا أفتش عن أسباب ضياعها في أسرتنا، واليوم الرجل السجين يطلب مني أن أشاركه الطعام الذي أحضرته زوجته، فأذكر أني في منزلنا كنت أتسلل إلى المطبخ لأتناول مما يروق لي أكله وهو داخل الثلاجة،لأننا كنا نسمع على مصاريف الطبيخ في بيتنا الشتيمة تلو الشتيمة من وجه طافح بالعبوس، وجدتي بعد أن تملأ معدتها، تسترخي على "الديوانة "، تمدّ رجليها وتتابع تحريضها من ناموس المحبة قائلة :
    - ارحموه، الله يدبره.
    كانت تشبه الحيزبون الساحرة، وكانت لا تتوانى عن التدخل في كلّ كبيرة وصغيرة كأنها سيدة سيدات عصرها، وحين تواتيها اللحظة المشتهاة، اللحظة الملائمة، والتي تفك إزار التلاحم الوجداني بين شريكين يفصل ما بينهما التودد والاتصال الروحي تندد بتشدق:
    - طلقها، يكفيك القهر والمقت، وأنا أزوجك ست "الستات"! ما الذي يجعلك تصبر على شوك الصبّار، الأولاد لن يصيبهم مكروه، فكر في نفسك وفي شبابك الضائع !.
    آهٍ يا جدة، أقولها بألم ٍ، ما أنا الرب كي أحاسبك، ولا أنا القاضي المسؤول عن جنايتك في التفريق بين والديّ كي أحكم عليك أو على أمي التي لم تتحمل غرورك وسيطرتك.

  9. [8]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    ابتعدتْ عنك صامتة ليرتفع الشرخ بينكما، وحين تركك تمسكين بمقود الطوفان غمرنا الحزن، وأنتِ تثرثرين بصوتك المتلون بما يفرغ شحنات حقدك وكراهيتك، لماذا كنتِ تكرهين أمي ؟ لماذا ؟ !.
    كنت تخترعين الحكايات التي تسلب عقول الصغار، وتشتت أفكار الكبار، وكنت تسهبين في السرد لدرجة تفوق أمهر " الحكواتية "، كانت هوايتك، وسر نجاح ثرثرتك التي لا ترحم! كنت تشمين رائحة الشجار فتنتعشين وتنتظرين أن يصرخ والدي خلف أمي الراحلة إلى بيت أهلها:
    - " درب الصد ما رد" !
    ما كنت تنسجينه لا يشبه خيوط العنكبوت حتى! أرسمك في كل يوم ٍ، بل في كل لحظةٍ بملايين الصور، أمزقها، أعيد رسمك من جديدٍ فلا تخرج غير صورة واحدة ؛ امرأة من نوع ٍ لا تستحق أن نحترمها أو نطلب لشيخوختها الرحمة!!.
    أنا نزقٌ، أعصابي متوترة، لأني أصبحت أتحدث عنك بهذه الصورة القبيحة، لكنها الحقيقة، والسر المدفون في صدر المغلوب على دنياه يجب أن يقرأ عالمه كلّ الذين يؤمنون بعالم الطفولة كي يحاسبوك أما قيل :
    - ما أغلى من الولد إلا ولد الولد.
    قتلت الفرح والأمان في طفولتي، والشريك والدي، وهل يمكنه ألا يكون موالياً لصلفك وسيطرتك عليه، وقد تركته بين يديك وحيداً، بعيداً عن إخوته وأخواته، بعيداً عن جده وجدته، بعيداً عنهم جميعاً، تتشاجرين وتخرجين!، وهو داخل أحشائك لم يولدْ بعد! وكنتِ لا تعرفين إن كان المولود ذكراً أو أنثى !!
    أيعقل أن يكون الذي حصل معك من سطوة الجهل؟ أم من انشطار طبيعتك على الرضوخ أمام الرجل، أو أي كائن كان ؟ أم من تلك التي انتقلت إلينا كداء وراثي لا يمكن علاجه، عداوة "الكنة والحماة"؟.
    كنتِ تحرقين قلوبنا وأنتِ تسردين القصة، قصة طلاقك من زوجك، كنت ِ تقولين أنك من الأيام الأولى، بل من الأسابيع الأولى اكتشفت بخله وشح نفسه والتي كانت السبب الرئيس في انهزامك إلى بيت أخيك تطالبين بالطلاق؟!.

  10. [9]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    ما أسهل هذه الكلمة على نفسك وما أقوى جبروت المرأة التي اغتالت فرح نفسها أولاً، ومن ثم ألحقته بنكدِ العيش مع زوجة ابنها بعد أن أرضعته من وخيم وهمها بالسيطرة عليه من دون الناس جميعاً ما أرضعته!.
    أبي ضحية الرحم "المعفرت" وأنا ضحية وجودي وسط شرخهم، وإخوتي، وأطفال كثيرون تدفعون بنا نحو ريح الوقيعة الظالمة، لنعيش في حضيض الشوارع والطرقات بلا أخلاق وبلا رادع يمنع عنا الأيدي غيرالأمينة التي تصيدنا بشباكها لتمضي بنا على هواها، كم طفلاً كنا في دار الأحداث؟ من سأل عنه أهله؟ من خرج بعدي من الدار ولم يعد إليها؟؟!.
    صوت الصديق والشفيع لي عند زمرة الغاضبين الحاقدين يُوقظني ويُنبهني من شرودي قائلاً:
    - ألن ننتهي من قصة الشرود؟ هيا، بسمل ومدّ يدك!.
    كان صحن " الكبة النية " مرصوفاً رصفاً دقيقاً بطريقة فنية تثير شهية المعدة نحو الطعام، وحين أمسكت بواحدةٍ تساءلت:
    - هل وضعت لها في قطعة "الكبة النية" تعويذة على الموافقة والقبول؟
    لم تكن أمي تدرك مدى قدرتي على التخزين، فذاكرتي شديدة الحساسية ولاقطة من نوع ماهر، كانت تحكي لجارتنا أم عبد الله عن قصة زواجها بأبي كلما أحست بالضيق منه وبالعجز على مواجهته،وأنا بدوري وبحكم وجودي في المنزل كنت أجلس إلى جوارهما ألتقط كلّ حرف من حروف القصة!!
    حين التقت جدتي بأمي في حمام السوق، وحين أعجبتها، تفحصت جسمها البلوري بقوامها الرشيق، وعينيها الخضراوين، وحين أبدت إعجاباً في إطراء سحر جدتي لأمي قامت بدورها على أكمل وجهٍ بعد أن هيأت الجو المناسب في مكاشفة جدي عن موضوع الخطبة والزواج.
    أسئلتي الحيرى وجدت عنها كلّ الأجوبة يوم كبرت ووقفت عند دقائق الأشياء... أخزن... أحلل... أركب... لسانها الذي يقطر مثل شهد العسل وحنكتها المتميزة في إقناع الحاضرين أعطياني الجواب الأول، أما الجواب الثاني وهو الأهم فهو أنهم كانوا أمام قدراتها الشخصية مسلوبين !.




  11. [10]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    جدي عنيف وقاس، كلمته نافذة، وعلى الأخص عندما يطرق الباب خاطب له صفات أبي الفريدة !.
    كان يعتقد أن زواج البنات يعجل بسترهن ليخلي نفسه من المسؤولية، والمصيبة أنهم حين تعرفوا على أبي أجمع الكل في مقولة تعزز وضعه أكثر :
    - شاب وحيد لأمه، "لا وراءه ولا قدامه" لو كانت أمه نار ما حرقت وهو رجل يحب العمل، وهذا طلبنا !.
    في هذه الحالات من الاضطرابات الاجتماعية علق أبي في رحم جدتي، وعلقت أنا في رحم أمي!.
    وبدلاً من أن ُتزهر الزغاريد بأصدائها الرنانة الصادحة يوم ولادتي بعد وفاة ذكرين وأنثى، تحولت الغرفة إلى "تابوت" من نوع ٍ غريبٍ ومدهش ٍ، فالضيفة زهرية " خانم " صديقة جدتي تصرفت بلا مشورة من صاحبة البيت أمي وقتما نهضت وغيرت من مكان نومي ونهرت خالتي أم جميل التي كانت تحاول أن تلف جسدي بقماطٍ يجعلني متماسكاً، ليبدأ شجار أم ٍ نسيت آلام المخاض ولم تنس ما فعلته صديقة جدتي.
    الراوي أمي والمستمع الحقيقي أنا، والحديث كان لأم عبد الله وليس معي، حينذاك كان عمري خمسة أعوام، خمس سنوات كان عمري، والكلام الذي حفظته يفوق سنين عمري بربع قرن على الأقل!!
    في ظل هذا الجو المتلبد المشحون بالمشاكل والذي كهربته آدمية لا صلة قرابة تربطنا بها سوى هذه الصحبة مع جدتي كنت أرضع من ثدي أمي التوتر والقلق وربما الحقد كما رضع أبي من ثدي أمه !!
    وكان عليها بعد هذه المشكلة أن تنهض من فراش النفاس مرغمة مكرهة إلى بيت جدتي تطلب منها السماح والغفران بعد أن تقدم ولاء الطاعة والاحترام!!.
    الدار القابعة في زقاق الطويل، كانت واسعة، فيها ثلاث غرف ذات "حوش" كبيرة تحيط بها من كلّ الأطراف" تنكات الزريعة" التي أكلها الصدأ، وصديقات جدتي كن لا يغادرن بيتها إلا وقت إغلاق مواخير الليل، وإن اضطرت إحداهن إلى النوم فلا مانع يمنع، ولا عائق يعيق بقاءها، لأنها على

  12. [11]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    شاكلة جدتي إما مطلقة أو أرملة! وعلى والدي أن يدفع المصاريف اللازمة وغير اللازمة، إضافة إلى فواتير الماء والكهرباء من دون سؤال! وإذا ما حصل نوع من التلميح إلى ضرورة الاقتصاد ما تنفك تثور فيسكت على مضض ٍ !!.
    مع نمو هذه الأحداث ابتدأت أنمو، لأدرك بعض الأشياء المثيرة الهامة، والتي ما زالت عالقة في الذاكرة !.
    كنت يومها ألعب بكيس النايلون حين سمعنا الطرق بعنفٍ على الباب، وبقسوة حادة كادت الجدران تساقط !.
    في مكاني تسمرت وحين نهضت أمي سارعتُ إلى طرف ثوبها وأمسكت به، بينما تقدمت هي بارتيابٍ ووجل ٍ بعد أن حملت أختي الرضيعة وسألت :
    - منْ... منْ يطرق الباب ؟
    فتحت أمي الباب، عقدت لساني الدهشة حين رأيتها تقذف بنفسها على الأرض مثل نعجة أصيبت حنجرتها وهي تشد شعر رأسها بعد أن رمت بالحجاب على الأرض وراحت تضرب وجهها براحتي كفيها كأن كارثة عظيمة حلت!
    هذا الاقتحام المرعب أجفل أمي كما أخافني، وفي هذه اللحظة المرعبة ومن تلك الصدمة المفاجئة هربت الدماء البيضاء من صدرها مما اضطر والدي إلى إصابته بلعنة تنضاف إلى لعناته في المصروف الجديد من شراء حليب " نيدو".
    هذه الحادثة تركت الأثر المحزن الفظيع في مشاعر أمي نحو جدتي حين عرفت من توفى! أيعقل ما ذكرته أمي لجارتها ؟! ألا تذهبين لوداع أمك وهي في كفنها ؟! أي حقد ذاك الذي يستعر أوّاره في قلبك لتزاولينه في أحلك الظروف قتامة؟.
    ماتت أمك - جدة أبي - وفي قلبها حسرة أليمة من تمردك وجبروتك ولؤمك.
    لا أعتقد بل أجزم بعد هذا الحدث أن الكره قد تفاقم وأن البغضاء قد

  13. [12]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    ازدادت، لينشق الطرفان على بعضهما من حالة اللامبالاة التي كانت تقابل بها أمي جدتي لتتسع مساحة الهوة بكل ّ مفاصلها السلبية نحو التأفف والمقت وزفرات الشكوى!!.
    داخل هذه الجدران ووراء القضبان الحديديةتستيقظ آلامي الشاعرة بأحزاني حين يسأل أبو حسن :
    - لماذا لا تأكل الخبز؟.
    سؤال يسقط في روحي مثل بركان تفجره هزة من ذكرى متشحة بالسواد، وبوجوم الشارد لا أجيبه، فتداعيات الماضي بكل حرائقها تثير في نفسي تقززاً ساخطاً، فأؤثر الصمت على الكلام، وأنسحب إلى سريري، وذاك اليوم العالق في ذاكرة الطفولة ينبش الماضي، يعيد الصورة الدامعة، يفتح سطور الحكاية !.
    كنت المسؤول عن شراء الخبز قبل الذهاب إلى المدرسة، وفي ذلك اليوم المشؤوم كان الخبز ساخناً، فمددته على الرصيف، وحتى لا أتأخر عن دوام المدرسة، جمعت الأرغفة على عجل ٍ وأسرعت إلى البيت، أسرعت إلى البيت لأجد أني ارتكبت جريمة بشعة، والله العظيم نسيت، خانتني ذاكرتي، نعم نسيت بقية "الفراطة" على طرف الرصيف، فماذا كان عقابي ؟ كان تأنيباً مقذعاً وضرباً مبرحاً، وصدى كلماته الجارحة التي حفرت أخاديد سكنها في أذني لا يغادر سمعي:
    - ولا... ك... حيوان... ابن الكلب... أين البقية؟ هل خبأتها؟.
    وفعلاً خبأت رأسي من بين صفعات يديه مثل يتيم جرده عدو مستهتر !.
    وقد أوصى الله باليتيم، أما كان رسول البشرية يتيماً فرعاه جده عبد المطلب، وجدي طليق جدتي لا وجود لحنانه في حياتنا، وجدتي لا تطيق أمي تنفر منها وتتذمر وقتما تشاهدها قد أبدت ارتياحاً، فأين اليتم في كل هذا !!.
    أهو في أمي الغارقة في مطبخها تولي الطناجر والصحون من اهتمامها أكثر مما يجب أن تهتم بأولادها؟.
    أمْ هو في أبي صريع أرباحه التي يوهمنا أنها خسائر بسببنا ؟!


  14. [13]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    أمْ هو في هذه المشاحنات المتموسقة على قرع طبول تقديم الضحية إلى وحش الغابة في رقصة من موت الأمل فقصة الحرد عادة يجب أن نتلاءم مع طقوسها الدميمة حين تحمل واحدة من الاثنتين "بقجة " حاجاتها وتمضي!!؟.
    في ذلك اليوم الملعون سألني رفيقي صبحي:

    - ما بك؟.

    ابتلعت غصة الدمعة التي حاولت حجزها في عيني وبانكسار ذليل قلت:
    - بابا طرد أمي!!؟
    انهمرت دموعي أمامه رغماً عن إرادتي فأخرج من جيب الصدرية منديله الورقي "المجعلك" والذي بدا لي أنه غير نظيف وقدمه لي كي أمسح دموعي التي خانت قوتي وبصوتٍ ضعيفٍ مجروح ٍ حدثته عن قصة الخبز والمبلغ الذي نسيته على الرصيف وما سبب لي هذا السهو !
    ولأن أمي حاولت أن تدافع عني لترد يده القاسية ضربها و طردها !!.
    اختنق الجواب في حلق الصبي فسادنا صمتٌ عميقٌ، وبعد الصمت تأبط بعضنا ذراع بعض، وبدأنا نمشي ببطءٍ كأننا نمشي في جنازة.

    وصلنا الجامع، كان الوقت ظهراً وكان بابه مفتوحاً والمصلون يدخلون فرادى، وقفنا هنيهة نتأمل دخول المصلين كأننا ُنقر في ذاكرتنا شيئاً نعرفه ولا نمارسه !.

    عند مفرق "الجابرية" وقفنا ننتظر الإشارة الضوئية، وقبل أن تفتح للمشاة الضوء الأحمر سارعنا في قطع الشارع جرياً إلى باب حديقة "ميسلون".

    كانت الليرات الخمس ما تزال في جيبي، وحين تلمستها لمعت في ذهني فكرة!.
    - تعالَ... نشتري "صياح" ونلعب!.
    - أنا لا أملك نقوداً.
    - أنا معي!.
    - ولكنك قلت أنه ثمن الخبز ليوم غد!

  15. [14]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    - فلقة وما كانت!
    في مساء ذلك اليوم خمنت أن تكون عقوبتي فلقة كتلك التي جعلت أمي تحرد!؛ لم أكن صاحب خيال جامح لأتصور نمطاً مخالفاً للنمط الذي تعودت عليه!.

    من كرهت أمي وجعلتني أكره اسمها، جلست تندب حظها وحظ ولدها، مما أثار ضغينته نحوي، ربما كان يحاول ضبط أعصابه أكثر ليس من أجلي بل من أجل نفسه، وعكته الصحية بدت واضحة الملامح...كح... كح "آتشوم".
    ورغم عطاسه المتواتر وكحته الحادة، فقد أحضر كرسياً ووضعه في الشرفة ثم أمسك بيدي وطالبني بالجلوس عليه، ثم ربطني بواسطة حبل غسيل وتركني في دكنة الليل أعارك البرد وصفير الريح حتى أقرست البرودة أصابعي فبدوت مثل أسير حكم عليه سيد من أسياد الجاهلية لأنه ارتدّ عن عبادة الأصنام!.

    كانت المداخن على السطوح المجاورة والمقابلة لسطح بيتنا مع هوائيات التلفزة ترمقني، أحسست بها بشراً تخاطبني ترثي حالتي النكراء والدخان المتصاعد من فوهات المداخن يتراقص أمام عيني مثل أشباح أطيافها لا تخيفني لأنه سرعان ما كان يتبدد في جوف الظلام والغريب في هذه الليلة ما تراءى لي أن الدخان يتحول إلى دموع ٍ مسافرة إلى حيث يبكي القمر فمأساة الطفل قد بدأت!

    بعد منتصف الليل فتحتْ باب الشرفة جدتي وأقبلتْ كي تفك وثاقي وهي تدمدم:
    - الله يصلح الأمر، ما كان لازم تكرر الغلط!.

    دخلت إلى الصالون الصغير وأنا أرتجف من شدة البرد والخوف كان نائماً، سمعت صوت شخيره، كثيراً ما كان شخيره يعلو، وكثيراً ما أبدت أمي انزعاجها من صوت شخيره وتركته بمفرده واندست بيننا في الفراش، ولكن ماذا أصابني بعد أن دخلت الغرفة ؟، أنا أسعل وأعطس وهذا السعال مع العطاس أقعدني في الفراش بضعة أيام بعد أن ارتفعت حرارتي وأثرت على معدتي التي بدأت تلفظ كلّ ما أتناوله من طعام أو ماء، حينئذٍ أخبرته جدتي


  16. [15]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    بسوء صحتي فأخذني إلى الطبيب من دون أن يقول شيئاً، أي شيء يجعلني أحسّ أنه أبي، هو لم يسأل والذي سأل عني رفيقي صبحي، وما إن فتحت الباب جدتي ورأته في وجهها حتى صاحت به مثل عفريت خرج من شق حائط:
    - اذهب من هنا يا وجه البلاء والنحس.

    رغم عدم تماثلي للشفاء سمعت وقع أقدامه تقعقع على السلالم مثل مجنون ؛ وما إن تماثلت إلى الشفاء، وعدت إلى المدرسة ودخلت الصف، حتى انتعشت روحي من كلمات المعلمة:

    - معافى يا غالب، مكانك في المقعد شاغر لا يشغله سواك.
    كنت أرى في وجهها ما أبحث عنه، دفء غامر في وجهٍ باسم ٍ يشع حيوية وحناناً، أذكر أن صوتها كان ينثال في قلبي الصغير مثل لحن ٍ شجي ٍ، وحين تمسك بأصابعها " الطبشورة " لتكتب على السبورة تغمض عيون ذاكرتي عن مشاكل البيت وقصة الحرد وحكايات الثرثرة التي لا تنتهي، وتفتحها على تلقي المعلومات، ولولا خوفي من تجريم تلميذ لا يقصد إساءة لقذفت بنفسي بين أحضانها باكياً ألتمس بعض حنان افتقده وافتقدته!.

    ما أجمل هذه الذكرى، وما أجمل أن تبرع في كتابة موضوع تعبير وتجده معلقاً في مجلة الحائط بعد أن أثنت الإدارة على جهدك في التفوق!

    نعم كنت من أفضل التلاميذ الذين يتقنون فن التعبير وكانت علامتي دائماً العلامة المثلى، وفي البيت والمحل لا أسمع غير " ولاك تعال، ولاك حيوان ابن الكلب " وثرثرة "الحكواتية" عن طلاقها وكرهها لأمي حتى طوى العام الدراسي حقيبة السفر؛ وحصلتُ على وثيقة النجاح للمرحلة الابتدائية بتقديرٍ ممتازٍ.

    كما توقعت لم يفرح والدي بحصولي على درجةٍ في تفوق ٍ، ولم يكن راغباً في تسجيلي بالإعدادية، كان كلّ همه أن أتعلم مصلحة، لكنه أمام إصرار أمي التي أعادتها إلينا عمتها وإلحاحي على متابعة التعليم فلقد وافق كارهاً.
    اختار موقع مدرسة تقع في منتصف الطريق، واحد يؤدي إلى منزلنا والآخر إلى محلنا؛ وحين رجوته :

  17. [16]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    - بابا، الله يوفقك رفاقي سجلوا في إعدادية الحكمة وأنا أريد أن أكون معهم.
    أجابني بتهكم ٍ شديد اللكنة:
    - من أجل "الفلت" يا ولد، هنا أفضل، أنا أعرف مصلحتك أكثر منك !
    وافقت مكرهاً، وكما يفرح الأطفال بملابس العيد فرحت باللباس الجديد، بذلة فتوة بلونها العسكري الجميل، وكطير تلونت أجنحته كنت أقطع الشارع بسرعة، ربما لأني بدوت أنيقاً، وربما لأني أحسست بدخول مرحلة جديدة في عمري.
    وكان عليّ أن أتأقلم مع هذا الوضع، وفعلاً حاولت التأقلم ولكنْ من حوّل غالب التلميذ الخجول إلى تلميذٍ مشاغبٍ يميل إلى الفوضى والاندماج مع الذين يخلقون البلبلة وقت تبادل المدرسين!
    المرحلة كانت جديدة عليّ وصعبة، وأكثر الوجوه كانت غريبة عني، ما بدأت أمارسه وما كنا نفعله يغزو ذاكرتي، يفتح الصور العتيقة التي لم يطمسها بعدُ زمني الأسير، بشعرها الناعس الدامس والذي كان ينوس على المنكبين كانت تدخل علينا وهي تبتسم تلك الابتسامة التي كانت تثير شهوة الطفولة إلى تقليدها حين تنطق :
    oh---pleas---puplis.
    كنا لا نصغي إلى الدرس بقدر ما كنا نتأمل قوامها الممشوق وأناقتها الجميلة التي ُتفرح القلب لتبدأ شقاوة المراهقة ونحن نتأمل في أصابع يدها اليمنى وكيف كانت تنفخ الدخان، الذي ابتدأنا ننفخ دخانه في مراحيض المدرسة!.
    كنا بحذر نراقب الساحة من عيون لجنة الانضباط المدرسية وخاصة في دورة المياه، حتى فضحنا ما أسميناه نمّام بدل تمام.
    يومها ساقونا مثل البهائم إلى غرفة المدير، الموجه ولجنة الانضباط، ومع إصرار المدير على العقوبة بالفصل، كان لابدّ من إحضار أولياء الأمور.
    الذي آلمني وجعلني أنضم إلى زمرة المنتقمين هذه النظرة الشزراء التي

  18. [17]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    رسمها في ذاكرتي لحظة رمقني بها ذلك الخبيث نمام.
    كنت قد انضممت إلى الشلة، شكلنا حوله دائرة وبدأنا نضربه حتى تدخل بعض من المارة ففرقونا عن بعضنا وهم يلعنون سوء التربية وما آلت إليه شوارعنا، فابتعدنا كلّ واحدٍ منا يجر أذيال خيبته من الخوف الذي خامره !

    كالعادة كانت أمي حردانة كما تعودنا! وكان عليّ أن أذهب إليها كي أستعطف قلبها الغافي عن طفولتنا راجياً أن تتدبر الأمر قبل أن يعلم والدي.

    في بيت جدي رجوتها بثغاءٍ من دموع ذرفتها عيناي ألا تدعني بين يديه أضرب، وبعد أن قبلتُ يديها ورجليها وأنا أبكي، رفَ قلبها وهمت عيناها بالدموع فقرصت أذنيّ ومسحت دموعي براحة كفها قائلة:
    - توبة، قل توبة لن تكرر هذا.

    - والله العظيم توبة.
    في هذه اللحظة من هذا اليوم المشؤوم تسربل في عميق روحي حقد غريب كحقد البركان على الأرض، رفض خالي تدخل أمي، ووقف جدي مثل حائط مهترئ يخشى على نفسه من الانهيار يؤازر خالي، وهذا ما أشعرني نحوهما بنفورٍ تام ٍ، لكن أمي رغم ضعفها وانكسارها وقفت بعد أن تحزمت بإزار القوة، قوة الأم التي تردّ عن ولدها كيد الأحقاد في كسر شوكة الخؤولة، وقفت لتقول وبجرأةٍ غير معهودةٍ:
    - لا علاقة لأحد بأولادي، وسأذهب إلى المدرسة.
    في المدرسة تعهدت أمي أني لن أكرر هذا، ولسوف تشكوني إلى والدي المسافر الآن إلى (الشام) تقصد دمشق من أجل شراء بضاعة جديدة للعيد.

    المسكينة كذبت عليهم، أوهمت المدير والموجه أن والدي مسافر فاكتفى المدير بتعليق توبيخ ٍ في لوحة الإعلانات بعد أن اعتذرتُ متأسفاً حين قبل المدير بكلام أمي التي أكدت له أنها ستهتم بوضعي وتراقبني.

    بعد يومين تدخلت عمة أمي في عودتها إلينا؛ وبين ظلال الأيام والأسابيع الراكدة زعق في وجهي كمن مسّه كهرباء وهو يقرأ علاماتي المتدنية عن الفصل الأول.

    لم أرتبكْ من معرفته، ولم أحترْ من أين عرف، لأن موجه المدرسة والذي أصبح زائراً للمحل بين آونة وأخرى، لم تكن زيارته عن طريق المصادفة فهو وإن توسط لي عند المدير في قبول اعتذاري وتعهد أمي فذلك لغاية في نفسه نبتت فجأة حين سمع بملكية والدي لمحل يبيع فيه الحاجات الولادية وبعض الحاجات النسائية، لأنه من يومها ابتدأ يتردد على المحل، يأخذ ما يلزمه من احتياجات أولاده وزوجته تاركاً الدفع لأول الشهر.

    مستغرباً ومستهجناً تساءلت سراً عن سبب سكوت أبي على تستر أمي، لماذا لم تقمْ قيامته التي تعودنا على قيامتها في ثورةٍ من وعيدٍ ؟! هل هناك ما يخفيه ؟ أمْ أن أمي أخبرته في غيابي عنهما ونالها من تجريح ٍ تعودت عليه ما نالها ورجته ألاّ يثير ضجة حول الموضوع كي أنسى موضوع السكائر ولا أعود إليه!.

  19. [18]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    في هذه الحياة التعيسة كان لا بدّ لي من إيجاد صديق يؤنس وحشة الفراغ، فالمحل كان يحتاج إلى شخص ٍ أكثر وعياً وأكثر إدراكاً لما يحصل من ردود أفعال مع بعض الزبائن الذين يستاؤون من غلاء الأسعار بعد بعثرة العديد من الملابس الولادية، وكان يترتب عليّ بعد خروجهم أن أعيد كلّ شيء إلى مكانه!.
    وبحثاً عن صديق لا يشي مثل نمّام فقد كنت أنتظر قطة أمام باب المحل تناديني بموائها العذب الرقيق، قطة وليس قطاً فالقط يأكل أولاده والقطة تفرُّ بنفسها بعيداً لتضع صغارها وترعاهم حتى يكبروا، حينذاك تعود إلى قطها، ولأنها تعودت أن تراني وحيداً كانت تجلس على قوائمها بشموخ ٍ وهي تنظر في وجهي بعينين تلمعان كأنها تخاطبني !.
    كنت ُأغبطها على حريتها وممارستها طقوس التجول بين حواري وشوارع الجامع الفرعية، وكنت أتمنى بغفلة عن العالم أن أتحول إلى قطٍ مثلها أجري من مكان لآخرٍ، بلا رقيبٍ وبلا منكدٍ، وبلا سوط جلادٍ!
    وأنا في بحبوحةٍ من سديم الخيال جاءني والعقدة تزور حاجبيه وكعادته سأل:
    - هل بعت شيئاً؟.
    ولأنه كان على يقين ٍ أن حركة ركود الأسواق ليست شخصية ولا محلية فقد اشترى جهاز " فيديو " واستأجر عدداً من الأشرطة لأفلام بوليسية واجتماعية وكما كان مكتوباً على واحدٍ منهم - " كومندوس " للكبار- بعد أن أغلق المحل وذهبنا إلى البيت يحمل الجهاز على صدره بكلتا يديه وأنا أحمل كيس الأشرطة !.
    على حدّ زعمه هذه الأفلام توقظ الخيال، وتهدئ النفس، وتغذي الفكر إضافة إلى القضاء على الملل، هكذا قال لجدتي.
    فرحنا بدخول السينما إلى بيتنا وجلسنا صامتين نتفرج نتابع المشاهد بعيون ٍ واجفةٍ ترف أهدابها مرتعشة كلما شاهدنا قتيلاً يتضرج بدمه، فالحرب النازية تثير الخوف والتقزز، والنازية كلمة واحدة في عددٍ كبير ٍ من أبواب التعدي والتحدي والتردي.
    بعد الفيلم الحربي، وضع فيلماً سياسياً، إذا لم تخن الذاكرة قلمي كان اسمه /المحترف/، ولم يكن أقل شأناً من الفيلم الأول.
    صراع الساسة على السياسة أمرٌ مخيفٌ، والأمر الأكثر إخافة وإجهاضاً لأعصاب الطفولة هذه الهياكل التي كانت تخرج من القبور وهي تقهقه مزمجرة وسط الظلام بأصوات ضاجة صاخبة واللون الأزرق الغامق كان يتماوج مع الحركة الدامية!
    كنا مثل تماثيل جامدة يُمسك الخوف بخناقنا أيمّا إمساك حتى بالت أختي فريدة على البساط ولم تنهض إلى الحمام إلا وأمي تسحبها من يدها وهي تلعن بخفوتٍ مكبوتٍ هذه الجلسة حتى صرخ فينا :
    - هيا إلى النوم!.
    بعد هذه المشاهدات المثيرة للأعصاب تلبسني الأرق وتفتحت في داخلي مشاعر مبكرة في أن أكون صاحب سلطة أحكم، لا أحاكم أعجبتني مواقف انتصار البطل !.
    وحتى أكون بطلاً حقيقياً لا بطلاً أسطورياً فقد أكدّ والدي في طلبه هذه المرة على ترك المدرسة بعد أن كان ما ينفك يردد:
    - ماذا ستصبح، مهندساً، طبيباً، معلم مدرسة مثل موجهك؟ وإن أصبحت طبيباً من أين لك أن تشتري عيادة ؟
    استغل الزمن، تعلم صنعة، زميلك صلاح كسب الوقت وعما قريب يصبح معلماً تبحث عنه أكبر "ورشات" المدينة!.
    هذا التحطيم جعلني أبحث عن تعويض ٍ آخر أثبت من خلاله قدراتي، وقدراتي آنذاك كانت قد بدأت تتجه نحو عواطفي التي تبرعمت قبل الأوان على

  20. [19]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    نظرات بنت الجيران وهذه اللهفة الملحوظة حين تراني.
    ولكي أكون جديراً بهذه النظرات، امتدت يدي إلى درج الغلة !.
    أجل امتدت يدي إلى درج الغلة، لم تكن المرة الأولى، لكنها من أجل شراء كتاب رسائل العشاق كانت الأولى! اخترت رسالة راقت لي كلماتها، نقلتها بأمانة، ورسمت أسفل الصفحة قلباً زينته بزهور من رسم يدي، لونتها بالأحمر والأصفر، وطلبت من أختي فريدة أن تسلمها سراً إلى بنت جارتنا أم نوري!
    من هنا ابتدأت أحاسيس عواطفي ومشاعري تقودني إلى الإدمان على مدّ يدي إلى درج الغلة والنداء الخفي يبتر كلّ تأنيب "مع هذا الصنف من الآباء
    لا ينفع التعفف، خذ ْ، عشْ كما تريد أنت، لا، كما يريد هو!".

    هذا النداء من هذا الطغيان أصبح قريب الشبه من عواء الذئاب وقتما تجوع، الحرمان يتمرد على الخوف، مصاهرة الأفلام تنفي وجود دارس ٍ يسعى نحو مستقبله، فأنعطف نحو الكسل!.
    ومن الطبيعي أن يجعل الموجه من كسلي نافذة تجعله يعرض على أبي أن يعطيني دروساً خصوصية !
    تخيلت وجهه وقد فرت الدماء منه بعد أن باءت أحلامه بالفشل! البائس لم يكن يدري أن والدي أكثر حنكة وفراسة منه للتملص من مسؤولية مصاريف مدرستي، والأهم من هذا كله أنه غير مهتم بتعليمي كان يأمل أن أترك المدرسة وأن أنصرف إلى تعلم صنعة كي أعينه على مصاريف البيت التي أنهكته كما كان يردد على مسامعنا، والغريب الذي حدث أن والدي قد تذكر أخيراًَ أن تستر أمي على قصة التدخين في المدرسة حطم وعيه لهذا حين عاد وقت راحته في فترة الغداء صرخ في وجهها :
    - كله منك، ينقصني واحد حتى تكمل خسارتي، آخر يوم سأغلق المحل وأجلس مثل"الحريم" في زاوية البيت، وموتوا من الجوع !.
    أمام ذلك التجريح تنسفح دماء أمي وتنزوي في مطبخها وهي تمضغ بلوى أحزانها المنطمرة في صدرها كأنها تقول:
    - منك، أمْْ من أمك، أمْ من الأولاد؟.
    ولأن جدتي كانت موجودة، ولأنها كانت تبحث عن ضالتها في إشعال فتنةٍ، وبدلاً من أن ترطب الجو في ودّ من تسامح ووئام، ترمي بسهام كلماتها لينفجر صوت أمي مخترقاً حالة السكون الملتهبة:
    - أنا صابرة من أجل الأولاد!
    - "دخيلك"على"إيش" صابرة؟ تردد جدتي.
    ولأن أمي تعودت على الحرد وما عادت تحتمل كيّ التسلط الأجوف فطوق الصبر انفرطت حباته تصرخ بصوتٍ عال ٍ :
    - أتريدين أن أترك لك الجمل بما حمل؟!
    - لا والله أنا من سأترك لك الدار ومن فيها!
    يا فريد تنادي ابنها :
    - والله لو كان بيتك كعبة مشرفة ما عدت داخلة عليه "وجوه كالحة ومياه مالحة "... يا الله... " يا بيتي يا بويتاتي... يا مسترلي عيوباتي!".
    وتخرج مثل قنفذٍ تحجرت أشواكه!.

  21. [20]
    خالدالطيب
    خالدالطيب غير متواجد حالياً
    شخصية هامة Array


    تاريخ التسجيل: Jun 2010
    المشاركات: 30,520
    التقييم: 329
    النوع: Red

    افتراضي رد: روايــة السفر إلى حيث يبكي القمر

    معاملته السيئة وأدت قناعتي في بعض ليرات كنت أدسها خلسة في جيب بنطالي، ولأن الإحساس بالقهر وبالظلم قد دفعني إلى مدّ يدي حين أشعر بالحاجة الشخصية، فقد بدأت أفكر بما هو أكبر من ذلك بكثير!.
    ورغم شكوكه التي ساورته غير مرةٍ، كانت أكاذيبي المفتعلة تجعلني أخرج من خرم الإبرة حتى وقعت في شرك غلطة العمر!.
    بعتُ سيدة أنيقة وجميلة بعض أشياء من بينها قلم أحمر الشفاه وقلم أسود لكحل العين، لم يكن يخطر في بالي أن المرأة ستعود تريد استبدالهما بعد أن أخفيت الثمن في جيبي، وحين عادت تريد أن تستبدلهما، كان حاضراً فانكشفت سوءة ما فعلت!.
    وجدت نفسي، بعد خروجها، بين يديه مثل حيوان يتلقفني حائط المحل، وغصص من دموع متحجرة ازدحمت في حلقي، لتسقط المفاجأة التي أنقذتني، تبددت ملامح الرجل الساخط بغضبه المريع إلى بشاشةٍ أذهلتني، فرْحْتُ أحدق في وجهه أكثر من كل مرة، "من هذا الرجل ؟ " إنه يقول وبهدوءٍ: - بابا، إذا ممكن تشتري " كازوز".
    غرقت في محيط من القهر، كنت غريقاً وأنا على سطح الأرض أتنفس، وقيعتي بين يديه انحفرت في تلافيف الذاكرة مثل شامة مرضية لا تعني الصحة أبداً.



    إذن تدعني وشأني حين تدخل صاحبتك المحل، هذه الفتاة الشقراء استحوذت على كلّ ما فيك، أتحسبني غبياً لا أفهم في هذه الأمور ؟.
    وحين تخرج يلبسك شيطان الانتقام، ملامحه، شيطان القبور يشبه ملامحك الآن، أسمع صوت قهقهاته، اللون الأزرق يتحول إلى سوادٍ مشوبٍ بالزرقة، ماذا تقول ؟ سأعمل أجيراً عند الكهربائي أبي بكري وتلك الشقراء ستحل مكاني " يا لرحمة الشقاء !".
    بضع دقائق مرت كأننا غرباء لا نعرف بعضنا حتى انسلت خطواتي بعد أن غادرت المحل في أصيل حي الميدان وئيدة، وئيدة أصبحت ألف وأدور في الشارع ذاته من غير أن أعرف ما أريد وعما أبحث حتى تعبت!.
    في البيت كان إخوتي ينامون على الأرض بلا غطاءٍ وبلا فراش ٍ وأختي فريدة متكورة مثل حمامة ورقاء حزينة! راعني المشهد، كادت دموعي تتساقط، كان قلبي ينبض بارتعاش ٍ باردٍ !!
    أيقظت أختي بهدوءٍ :
    - فريدة، فريدة انهضي، وحين فتحت عينيها فركتهما ونظرت في وجهي ثم نهضت من غير أن تقول شيئاً.
    ساعدتها على مدّ الفراش ووضع "المخدات"، حملتهم واحداً واحداً إلى الفراش، ما أذكره عن الليلة تلك أني كنت شبه نائم، وفي الصباح تأملت الوجوه، كانت فريدة مثل ملاك طاهر فردّ خصلات الشعر على "المخدة" فاحتوتها، اقتربت منها همست برفق ٍ :
    - فريدة... انهضي.
    فتحت عينيها وبخفوتٍ واضح ٍ قالت :
    - صباح الخير.
    - صباح النور.

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 4 1 2 3 4 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. متى يبكي الياسمين ؟؟؟؟؟؟
    بواسطة لحن الحياة في المنتدى بوح الخاطر
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2014-06-02, 08:47 PM
  2. اطوار القمر كسوف وخسوف القمر
    بواسطة املي بالله في المنتدى يوتيوب youtube
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2012-02-18, 08:48 PM
  3. ملك الموت يبكي
    بواسطة عازفة الأمل في المنتدى القسم الاسلامي .احاديث.فقه.صوتيات اسلامية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2011-07-07, 04:22 PM
  4. هنا يبكي القلب
    بواسطة خالدالطيب في المنتدى صفحة white page بيضاء
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2011-05-27, 08:37 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع تو عرب ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك ( و يتحمل كاتبها مسؤولية النشر )