أيّ امتحان لغوي أن تعبّر عن تلك العاطفة الخارقة الطاهرة الآسرة، العابرة لكلّ خلجاتك،

عندما تُعلن شاشة أمامك أنّه ثبت رؤية هلال رمضان؟


كلّ سنة تسمع الخبر كما لو أنّك لم تسمعه بعدد سنوات عمرك. تحرص على تلك الصيغة

بالذات: "ثبتت رؤية الهلال" برغم وجود أكثر من وسيلة تكنولوجيّة توفّر عليك

"الشكّ". لكن الترقّب جزء من لهفتك، من بهجتك. إنّه عيد في حدّ ذاته. لكأنّ لرمضان

عيدين: واحد يسبقه و آخر يليه. ليلتان للشك، كلتاهما فرحة للمؤمن. في الأولى

يستعدّ القلب و يتأهبّ لمباهج التقوى، و في الأخيرة يسعد بما كسب من ثواب.ـ


يهلّ الهلال، فيبدو في رمضان غير الذي اعتدت رؤيته. تبحث عن خيطه الأوّل في

السماء، و تعجب أنّ ضوءاً يكاد لا يُرى يُضيء قلبك إلى ذلك الحدّ، إيماناً و فرحة و

رهبة. أيّة لغة تختصر فرحك و ورعك و خشوعك و زهدك و دموعك، و أنت بين يديّ

الله مجدداً، صائماً ساهراً ذاكراً شاكراً، ظافراً بطمأنينة لن تمنحك إيّاها الدنيا، و إن

جاءتك بكلّ كنوزها. " كم من ذي طمأنينة إلى الدنيا صرعته" يقول الإمام علي (رضي

الله عنه). و هل تصرع الدنيا و تغدر بغير الواثق بها، العابد لها؟ فالأمان لن تجده في


مكسب عاجل أو بريق زائل. الأمان ليس حولك، بل فيك. و إن لم تجده في قلبك لن

تجده مهما أوتيت و مهما أتيت.ـ

الأمان هو نعمة الإيمان لأنّك لا تبلغه إلّا مؤمناً. إنّها السكينة التي لا تُشترى، بل يهبها

الله لمن اصطفى من عباده. إنّها نعمته التي لا نعمة فوقها. "ألا بذكر الله تطمئن

القلوب"، بينما كلّ مكاسب الدنيا، من جاه و قوة و ثراء و شهرة، ما هي سوى


مصادر شقاء لقلوب أصحابها.ـ

لا أحسد في رمضان جالساً لموائده، أو ساهراً لمباهجه. لا أغبط سوى من يفوقني إيماناً

و زهداً، و ما أكثرهم و الحمد لله، الذين يدرون أنّ الدنيا وليمة المغفّلين. ما غبطت

سوى زاهد. أغار من خلوته الجميلة بالله تعالى، حتى ساعة متقدّمة من الفجر. ينتظر

العشّاق أشهراً موعداً يجمعهم لساعة مع الحبيب. و ها هو المؤمن قد فاز بشهر كامل

مع مَن يحبّ. فهل يفرّط في موعد كهذا، منشغلاً عنه بما يخاله أهمّ و أجدى؟

أيّها المسلم "إنّ طلاق الدنيا مهر الجنّة"، و في هذه الحالة بالذات لا يجوز لك الجمع

بين الاثنتين. و عليك أن تختار قبل فوات الأوان، أيّهما تريدها لك زوجاً.. و من منهما

تطلّق. "طلّق الدنيا ثلاثاً، و اطلبن زوجاً سواها"، ينصحك الإمام عليّ (رضي الله

عنه)، و هي ليست نصيحة سهلة التطبيق. فالنفس البشرية ضعيفة أمام غواية الدنيا.

هكذا أرادها الله ليمتحنها. و هي لا بدّ واقعة في شرك الدنيا برغم إدراك الإنسان تماماً

أنّه يُراهن على خليلة عابرة.. و خادعة.. و زائلة، لن يُرزق منها سوى الذنوب.ـ


لكن، في إمكان المرء، على الأقلّ، أن يخلع هذه الدنيا و قشورها لشهر، كما تخلع

الزواحف جلدها، أن يولد كلّ رمضان جديداً نقيًّا كما يُولد ذلك الهلال. إنّها فرصة ليولد

معه و يكبر يوماً بعد آخر بمجاهدة نفسه و مغالبة قلبه، و إصلاح نيّاته. أن يترفّع عن

ردّ الأذى، و أن يكثر من الصدقات و الاستغفار، و أن يقلع إن استطاع، عن مشاهدة

التلفزيون في الليل و النهار.ـ

وكل عام وانتم بالف الف خير