تعذلني الصّديقات: شخوص قصصك بائسة!، سئمنا القهر و السّواد، وضاقت بما تحمل الصّدور في أيّام ما عرفت البلاد شدّتها في سالف العصور.
توشّحْتُ الصّمت، وعزَفْتُ عن رصف الحروف قصص أرواح معذّبة، و حكايا نفوس مرهقة. و شرعت أنثر نقطاً أثارت الدهشة و الاستغراب. تريّثْتُ طويلاً... اِمتطيْتُ صهوة التّفكير ، قرّرت تعديل زاوية الرّؤية، و تغيير قوانين العمليات الحسابيّة. رميْت قلمي جانباً، و اشتريت قلماً أخضر، وضعْت على عينيّ نظّارةً ورديّة لعلّ الجذع اليابس يمتلئ زهراً نديّا.
دخل زوجي مكفهرّ اللون، غاضب الملامح: ارتفعت أسعار المحروقات، و لابدّ أن تسابقها بِغالُ التّجار في كلِّ السّلع.
تبسّمْتُ، وقلت: الحلّ جاهزٌ، ثمّة زيادة على راتب الموظّف. أمّا العامل الحرّ فلا بدَّ أن يرفع سعر يده و ظهره.
ناداني قرع الباب لأجد الجارة تسألني حبّة مسكّن لآلامها التي لم تجد لها مُعالجا؛ فزوجها المعتوه بعد حادث السّير غدا أسير والدٍ شحيح اليد سليط اللّسان. سألتها مُجاملة: كيف الحال؟ أجابتني بصوت تخنقه الحسرة: معي ألف ليرة، و عليها أن تكفيني مصروف أسبوع لعائلتي الكبيرة، وضحكَتْ غير مصدّقة: والد زوجي يتنعم مع عائلته باللّحم و الفاكهة، و يروي قصص الأنبياء، كرم الصّحابة، و معجزات الأولياء على زوّاره.
قلت في نفسي: لا بأس. جعلها الله مع أهل الصّفّة. و ماذا لو جاعت مع أبنائها؟ الجوع نال من الأنبياء والدّعاة؟
عُدْت إلى المكواة المتآمرة مع لهب حزيران على إحراقي، لكنّ رنين الجرس جعلني أهبّ مذعورة: لا بدّ أنّ مصيبة حصلت أو طفلاً وضع يده ، وفرح بالصّوت بعد أن حضرت السيدة كهرباء التي تغيب لساعات طويلة، فتحته مسرعة، فاجأتني شابّة تتسول بكلّ الكلمات الأنيقة، استغربت جرأتها، و اهتمامها بصفحة وجهها، بادرتها متعجّبة: لمَ لا تفتشين عن عملٍ؟ كيف تأمنين على نفسك وعرضك في أيام الفوضى و الضّياع؟ تبرّمت بوجهي، و اتّهمتني بالاعتداء على حرّماتها الشّخصيّة، و راحت تكيل السّباب و الشّتائم، و تهدّد متوعّدة بخطيبها و ما يحمل من سّلاح. أغلقت الباب غير مصدّقة وقاحة الاستهتار، و قبح الاستهانة، استعنت على الصبر بحديث( داروا سفهاءكم).
عاد الباب ليقرع من جديد، وقرّرت ألا أجيب، لكنّ طفلتي كانت أقرب إلى مقبض الباب، وصرخت فزعةً : ولدٌ شحّاذ. اقتربت لأعرف ما يجري: فتى؟! يروي بوجهه المشوّه، وذراعه المبتورة ظلم القذائف، ووحشيّة الحرب، وببضع كلمات بائسة طلب بعضاً من طعام، قدّمت له الصّحن خجلة من شبعي. افترش الأرض، و راح يبتلع اللّقيمات، و آثار الدّمع المنهمر خطوط رماديّة على خدّ سودته قسوة الأيام. شعرت بقلبي سينفجر، ناولته شربة ماءٍ، أخذها شاكراً، و مضى تاركاً في الصّحن قطعة اللّحم كأنّه خشي على نفسه أن يعتاد لعابه ما ليس بيده.
عدْت إلى طاولتي، تحملني ساقين ترتجفان ألماً. قدماي تصرّان على التّشبّث بأرض الواقع، عيناي تسعيان لقوّة خارقة تثقب بها ستار عتمة هيمنت لعلّنا نضيء بعضاً من عقل و إرادة للتّغيير بالعمل. عدت إلى نظّارتي ، اعتذرْت من قلمي، و احتضنته بين أصابعي تاركةً حبره ينساب ليخطّ: لا تلومَنّ الماء إذا ألفيته كدرا فالعيب بمن رمى في البئر حجرا.