الصّمت سيّد المكان بعد أن مُنحت القذائف استراحة إجباريّة، ومال المتقاتلون إلى نوم متقطع بانتظار جولة جديدة.
الأمّ تدور في جنبات المطبخ الصّغير تسعى لتحضير وجبة فطور رمضانية في بلد خنقته حرب العالم المسكون بكوابيس غبيّة. المحكوم بإرث قابيل يقتل هابيل لمنافع باهتة.
تخرج من مطبخها تطمئن على أولادها، نائم على الأريكة، أو مشغول بتلاوة الكتاب، والصغار يلعبون بسكون يخشون كسر الهدوء زائرهم الذي اشتاقوا للتنعم بين جنباته.
تعود إلى مطبخها: لا صراخ. تضع الماء في القدر، وتشعل الحطب: لا شتائم. تصبّ العدس: لا احتجاج. تقشر حبات البطاطا المخضرّة: لا دعوات بصاروخ لها و لأولادها، و لا أمنيات برحيل إلى بلد أوربي بعيد حيث الشقراوات يحملن مسؤولية أنفسهنّ.
حين اصطفت الأسرة حول مائدة صبرها، هربت العيون من التّلاقي، لكنّ الصّغيرة صرخت: عُد يا أبي! اشتقنا لكلّ ما كنت تفعله في أيام رمضان.
ذرفت الأمّ دمعها: لم يكن يجد ما يفرج عن ألمه إلا الصّراخ علينا و تلك الكلمات البائسة، تنحنح الفتى الذي راح الشعر الأسود يخط سطوره فوق فمه، وتبسم بمرارة: مسحت الدّم عن وجهه وهو يوصيني بكم، أصرّ على الإمساك بكيس الخبز رغم ألمه حتى تسلمته منه، ودفنته بيدي بعد أن عجزت عن تأمين كفن له؛ لا تلوموني إن فتحْتُ البابَ عليكم وقد لبسني لسانه.