تتراقص المفاتيح أمام عينيها الدامعتين، و تصرّ أصابعه العابثة على الترنّح بها ليكيدها بصوت الطقطقة، تهاجمها خيالات مفزعة: أتضربه بالسكين أم تنتحر؟أ تغادر البيت؟ إلى أين وحملها ثقيل أربع بنات ينظرن إليها بإشفاق: كفى ذلاً. وصغيرها يحبو ليجلس في حضنها يبحث عن حليبه.
- أمّي ! لن تغادري البيت. تقولها الكبرى بصوت مخنوق، يردّ مقهقهاً: اطمئني جدّتك لا تجد مكاناً تأوي إليه بعد توزيع ثمن بيتهم، أين سيضعون أمك و أولادها، لن يقبل بكم أحد.
- ابتلعت مرارتها، و أصوات المفاتيح تتضافرمع كلمات مديرها في هذا اليوم المرهق لترنّ المهانة في أذنيها: هذه الغرفة لدجاجاتنا، و تلك لدجاجات غيرنا، لم تضحك من جملة سحقت إنسانيتها، ربطتها بطير ضعيف، يسهل ذبحه، نتف ريشه حيّا، لم تحتجّ على عبارة أهانت كرامتها و داست كرامة امرأة أخبروها أنّ العلم يرفع من شأنها، و العمل يحفظ كبرياءها ليستبيحوا عزّتها على محراب استهتارهم، و لم تحقد على متكلم ميزته أنّه ذكر، لقد عرّفها بخاصتها التي تجعل الرجل يقبل بها في البيت دجاجة تبيض المصروف، و في العمل دجاجة تبيض إنجازات يعجزون عنها.
شهقت بألم: الحرب المجنونة جعلت ما تبقى من الذكور يصابون بجنون التّفرّد بعد أن أصبحوا عملة نادرة على أرض تشهد على أخ يقتل أخاه.
حاولت أن تسترضي نفسها: ماذا لو أخذ ميراثي، و اشترى البيت باسمه، في نهاية المطاف هو لأولادي، لن يفرط ببيعه، فالأمنية تحقّقت، و لولا وفاة أبي ماكان يحلم بالسكنى في منزل بلا آجار، تتجرع غصتها: لكنه سرقني، خان الأمانة وهو يكتب عقد البيع. تستبشر خيراً، غدا يكبر الأولاد ، كل شيء من أجلهم. لكنّ صوته الساخر أيقظها من جلسة إقناع نفسها بقبول لصوصيته، كان يخبر بناته بمشروعه الجديد: على أمكنّ أن تؤمّن لي مهر العروس الجديدة، فقد سئمت وجهها الكئيب.