تمشي متمهّلة الخطوِ، و تعجزُ رفيقةُ دربِها عن جذبها من بئر اهتماماتها بحديث غيبة أو نقد لشخصيات يومهم الطّويل في ميدان العمل؛ ذهنها الشّاردُ يجوب الأثيرَ متنقّلاً من البيت الخاوي إلى السّوق الذي يشهر أسلحة الغلاء المرعبة في وجه أولئك المطحونين برحى حرب مجنونة.
البنت تحتاج إلى ملابس صيفيّة، و الأسعار الملتهبة تلدغ الجيب الفارغ، وتتجاوزه لتحرق الرّوح و الجسد؛ و يعود بها صراخ الرّضيع إلى الصّيدليّة؛ ثديها شّحيح باللّبن، و السّكّر المُذاب بالماء أقصى ما يمكن تقديمه لوليد جاء في زمن الحرمان.
تتشبّث بحقيبة يدها: لا بدّ من شراء علبة الحليب، وتهزُّ رأسها باستخفاف: كيف تستطيع اصطيادها، و سعرها يواصل التّحليق بعيداً عن أصابعها المرهقة.
سيرها الآلي على طريق الذّهاب و الإياب جعلها لا تحفل بما يحيط بها، لكنّه لم يحمِها من التّعثّر بالبضاعة المنتشرة على الرّصيف المزدحم، صرخ بها البائع مزمجراً: هل أنت عمياء؟ فرّت خجلة من مفرداته اللاذعة، و نزلت إلى الشّارع، أدارت وجهها، فلطمتها رائحة العرق لتذكّرها بالملابس المتّسخة في الحمّام: لا بدّ من شراء مسحوق الغسيل. قهقه جيبها المليء بمطامعها الكبيرة، الخاوي من بقيّة حلم إنسانيّ.
أيقظها بوق سيّارة سوداء من شتاتها، وابتلعت شتائم السّائق مرغمة: لا قدرة لها على الرّدّ، جذبتها رفيقتها رأفة ببؤس يومها، و حشرتها بين الجموع المتراصة على رصيف القهر. و ما إن دخلتا الحيّ حتى بادرتها صاحبتها ضاحكة بتعليقها:
- اُنظري! زوجك المشتاق لك ينتظرك أمام المبنى.
- تجاهلت نغمة الاستهزاء، و ردّت عليها تحيّة الوداع بفتور، اقتربت من بائع الحّيّ لعلها إن اشترت بعض الخضراوات يحملها الزّوج الهُمام إلى الطّابق الرّابع، لكنّ صوته المتجهم خلفها بخّر أحلامها:
- اِدفعي ثمن علبة التّبغ من أجري لهذا اليوم، سئمت بكاء ابنتك المريضة، و جوع ابنك، يا لكم من مزعجين! حتى الكهرباء لم تزرنا لحظة. ابتلعت غصتها، و ما مسؤوليتها عن قطع الكهرباء في بلد تلاشى منه الحلم و الغد؟.
- رفع إصبعه في وجهها: لا تنامي قبل عودتي من السّهرة، سوف آخذ ما تبقى لي من حصة بأجرك لهذا اليوم، كلّه لي: ألا يكفي أنّي أسمح لك بالخروج من بيتي للعمل، و ترك رعاية الأطفال لي؟