فيضان

ّي! تعبت، جُعْتُ، عطشْت. عيناها الغائمتان ترقبان السّيارات المتلاحقة، و العجز يسألها: ماذا لو رميت بنفسك مع طفلتيك أمام سيّارة بلا زجاج كاشف، فترحلن بصمت من غير أن تؤذي السّائق؟
يردّ الحذر: ماذا لو لم نمت معاً؟ ماذا لو بقيت واحدة منّا عاجزة؟ من سيرعاها؟ و تهزّ رأسها بأسفٍ لم نجد بيتاً يؤوينا رغم صحتي فكيف أجده بعاهة تنفّر منّي؟ أكيد ستُرمى بناتي على قارعة الطّريق، و ربّما يجدْن بائع قطع تبديل لجسدهنّ الصّغير.
تجتاز الشّارع لتصل ضفّة النّهر، رائحته الكريهة تزكم الأنف، تتمرد الطفلتان: أفّ ما هذا؟ دعينا نذهب للبيت، تصرّ على أن تبقى دمعتها في عينيها، يكفي خديها حرقة فقد حفر الدّمع أخاديد لم يرأف بها أحد.
أيّ بيت يا صغيرة؟ لقد طردنا الوالد ، ربما تكون الزّوجة الجديدة الآن ترقص فرحاً بالمنزل و العريس قبل أن يشرع بطقوس تجريدها من ممتلكاتها و كرامتها من غير أن تعلم ما الذي يخبئه لها.
تقترب من سور النّهر، ترفع ابنتها الصغرى، يهمس بها القهر: ارمها، ثمّ الأخرى، و بعدها أنت. يرعبها الخاطر، تتعوّذ من وسوسة الشّيطان، و تنزف جراح قلبها من قسوة البشر.
ترقب المياه الرّاكدة ركود حياتها البائسة، تجمع اللّعاب في فمها، تبصق في وجه أخٍ حرص في توزيع ميراث الأب على للذّكر مثل حظّ الأنثيين، و عندما ضاقت بها الدنيا، سمح بدخولها وحدها طالباً رمي ابنتيها للمجهول.
بصقت في وجه زوج ملكه الله رقبتها ، و أمره بتكريمها، لكنه لم يترك فرصة لإهانتها إلا و أبدع فيها تاركاً الشّرع، وحقوق الزوجة للأحاديث و المسامرات في الاجتماعات الرّسمية.
بصقت في وجه الأعراف تعيب على المرأة العاملة أن تسجل أيّا من مقتنياتها باسمها: مادام عندهم أولاد لا فرق بين الزوجين: عيب أن يعرف أحد اسم الزّوجة، والرجل بجانبها، و ينسون تحريم سرقة ممتلكات الآخرين ، و إن وقع خلاف بين الزّوجين يسخرون من خفّة عقلها كيف جعلته مالكاً لتعبها.
بصقت في وجه نسوةٍ يروين أحلامهن، فتتأجج نار الغيرة في النفوس، وهنّ تسعين للتشبث بأوهام تساعدنهن على الحياة. بصقت في وجه قانون يبيح للزّوج طرد زوجته، و يحرمها بيتاً حرصت على اقتناء كل ما تستطيع لملء جنباته، ترتيبه، نظافة أشيائه.
بصقت في وجه كلّ من ستتهمها بالتّقصير، بعدم الصّبر: لا أحد يعلم شحَّ زوجها، علاقاته المجنونة، غروره، استعداده للتفنّن في تعذيبها.
بصقت في وجه كلّ من أساء للمرأة التي كرمها الله في شرائعه، سحبت طفلتيها و مضت إلى سوق الذّهب، باعت خاتم الزّواج، و دفعت باب مكتب عقاريّ، تفتّش عن غرفة تقيم فيها مملكة كرامة لابتيها بما تبقى من أشلاء روحها و كرامتها و راتبها.