قصّة( زيارة)



تعزف الأشواقُ لحنَ الشّجن على وتر الرّوح المعذّبة ببعادِ الأحبّة. تجرّني قدماي المرهقتان في الأزقة. أصرخُ... لا تتجاوز كلماتي حاجز الأسنان. أنادي... لا يكلّف الصّدى نفسه عناء الجواب. تسخرُ منّي أنقاض البيوت كانت آهلة بالسكان... لعب الأطفال المكسّرة بعد أن نزلت من حضن الصّغار... أثاث ممزّق تعب بتحصيل ثمنِهِ الرّجال، وتفانت النسوة في الحفاظ على رونقه البهيّ.
أطأ الشّوارع تملأها الحفر، لا أحد ينافسني إلا قطط متّسخة تموء باحتجاج وهي تفرّ لتختبئ من كلاب تحرمها بؤس البحث عن الغذاء.
يقهرني الخواء، يصرخ في جوفي السؤال: أين كرسيّ جارتنا أم أحمد على الباب؟ أين صاحب الدّكان وأطفال المدرسة يتجمهرون حوله؟ أين صياح الباعة: بطاطا...، برتقال...، ملفوف وليمون...؟ ما من مجيب.
يحملق فيّ الخراب متوجّعاً من كرهي، وحده يردّ على أسئلتي بعيون لا تعرف الدّموع، وشفاه لا تجيد النّطق الحروف:
هم مبعثرون تحت سماء ما أو ربّما يغطيهم ركام ما، هم بلا عنوان شتّتهم غباء البشر بحقّ البشر، وعلى مَنْ تبقّى أن يتأمّل صورة الفنّ العشوائيّ المجنون، وأعدك أنّه لن يفهم أحد عبء إرث قابيل على مرّ العصور، ولن يدرك عاقل جنون فتك السلاح بيد الأحمق. لا تبكِ يا امرأة عاصرت الدّمار إنّها حرب اللامعقول.