قصّة(بين رحيل... ورحيل...)

أغلق الباب على زوجته، أولاده الثلاثة النّائمين، ورابعهم الذي مازال عليه الانتظار ليتنشّق هواء الدّنيا. هزّه الشوق لِبكره الذي حلّق بجناحيه الضّعيفين، وحطّ في بلادٍ بعيدة.
تصفعه نسمات البكور في صباحٍ تشرينيٍّ مكتئب رغم زقزقة العصافير ابتهاجاً بولادة النّهار. يسير الهوينى وعيناه تحتضنان الشّوارع والأشجار، والجدران تخفي وراءها حكايات الآه ومواويل العتب.
تبسّم مشفقاً على هررة الحيّ تدور حول حاوية القمامة، تقفز في داخلها، وتخرج خائبة في جهاد البحث عن لقمة في زمن الخراب والحرمان. يضع يديه الخاويتين من أيّ متاع في جيبيه الخاليين إلا من بعض أوراق تثبت أنّه ابن آدم، وزار أرض الحياة.
تستقبله ابنة أخته الصّبيّة بابتسامة ودموع، تسلمه ابنها الفتى الصّغير، يختصر مراسم الوداع، ويمضي صامتاً. تتراكض الخطوات، تسرع عقارب السّاعة، تعجز الذّاكرة عن الاحتفاظ بصورة كرسيّ الحافلة، مقعد في السّيّارة، طريق خاوٍ... خراب... يغمض عينيه، ويده تمسك بيد الفتى الذّاهل ليشكلا ثنائيّ رحالة.
بائسان تدافعا بين الجموع، اتفاقيّة تهريب بشر، بضاعة لا تهمّ أحدا، وجوه غريبة، أصوات حبيبة تبث حنينها من أجهزة معدنيّة، والمجهول يناديه، والخوف يجذبه خلفاً، وقرا اللاعودة حتميّ.
لامسته مياه البحر، اقشعرّ جسده من البرودة. تمتم الفتى: خائف يا خال! ربما أموت و لا أرى أمّي.
ردّ بهمسٍ متوجّعاً: وربما أموت من غير أن أحظى بلقاء أسرتي، من غير أن يرى وجهي ذلك المُخبّأ في رحم أمّه.، وذاك البعيد عن عينيّ. حُشِر الاثنان بين جموع الرّاكبين في الزورق المطاطيّ:
الرّجل طارق بن أحمد لا ابنَ زيادٍ، صدره مهموم، ورعب الانتظار يصفع روحه، طارق من غير جيشِ يقوده، من غير بهجة الإقدام و أمل المستقبل. و الموت يفتح فمه على البحر أمامه، و في البر خلفه. وبيده الفتى خالد صبيّ مرعوب، ويده خالية من سيف مسلول، وعيناه نحو الغرب، والعجز يعقد كفيه الصّغيرتين. والحلم الأحمق يخيّم على التّائهَين: رائعة تلك البلاد التي سننعم فيها بسقف لايخشى الوقوع، ولقمة لا تلوثها الدّماء، وأمان لا تخترقه قذائف غبيّة.