قصّة ( نبوءة)

حرّك رأسه ليبعد الغطاء عن فمه، ومن غير أن يفتح عينيه تمتم مداعباً: الله يستر على مَن تنزل قذائف لسانك اليوم؟ هل ارتاح منها موظّف الإغاثة الذي أخذ الرّشوة من أجل أن يصيح باسمك؟ أم أنّ ذاك اللص الذي سرق بعضاً منها مازال في مرماك؟
زفرت منزعجة: أوف!
دعيني أحزر. هل هي جارتنا التي لم تقبل بإعارتك بعض المازوت و لا حتى الحطب أم الأولاد الذين يلعبون في الأرض الموحلة أغلقوا ممر المطر لتغرق الخيمة؟ لعله الغسيل الذي ابتلّ بالمطر أو ملابسك التي مزّقتها امرأة ضخمة لإبعادك عن توزيع الخبز؟ هيّا أخبريني يا امرأة! هل في أخبار تلفاز الجيران خبر عن بيت دُمر، أو أسرة احترقت، أو مخطوف طار رأسه، أو أم دفنت مع أولادها، أو عريس زفّ مع عروسه إلى الآخرة؟ قولي لا يزعجنّك حدث في وطن التهمته نار ونار. لن أتعجب مما أسمع فكلامك منذ سنوات لم يعد إلا سيلاً من الدّعوات أو الشّتائم.
لم تجبه بل راحت نظراتها الباهتة تتأمل قوامه الممشوق وهو جثة هامدة تحت غطاء رقيق، ضغطت بأسنانها على شفتيها ماذا تقول له؟ وكيف لها أن تجرحه بما يجري معها وهو الزوج الغيور الذي لم يكن يسمح لها بمجادلة بائع، أو حمل كيس خضراوات لكنّ تلك المتفجرات الغبية في السوق حرمته نعمة الأطراف، وتركته فريسة الأمنيات.
رفاق التّشرد لا ينسون كيف حملته مع أولادها في الملاءة وعبروا به طرقات لا يعرفونها ركضوا مع الخائفين وبينهم حتى وجدوا أنفسهم حارج حدود البيت و الوطن في خيم لا تقيهم البرد و لا الحرّ، تحت سطوة كل من يمكنه التحكم بقوت يومهم، وجرعة مائهم، وما إن فتح البحر ذراعيه حتى كان شبابهم من السباقين، فتركوا الوالدين في مخيمات الذّل، ورموا بأنفسهم في حضن المجهول بانتظار موافقة أولئك الغرباء على لم شمل الأسرة.
صمتها المريب أزعجه، ما الذي يجري؟ و ماذا يخبئ قماش الخيمة عنه من أخبار؟ لماذا؟ ولماذا؟
اصطنع السّعال ليجرها للحديث معه فهي نافذته على طاحونة الحياة التي لا تأبه لأحد ، مضى وقت طويل لم يرَ ولم يسمع غيرها ، قامت لتضع كأس الماء على فمه، لذعت خدّه الشّاحب دموعها، توسّل بنظراته المنكسرة: ما بك؟ من يزعجك؟
ضحكت باستهزاء: رأيت امرأة تدور بين الخيم، تذكرت زيارتها لي في بيتنا الواسع، وجلستي معها في الحديقة تحت ظلّ الياسمين، وبعد أن شربت القهوة، أصرت على قراءة فنجاني، وأخبرتني : ستعيشين حياة سعيدة في هذا البيت مع زوجك وأولادك سيتزوجون، ويركض أحفادك حولك، ما شاء الله ! كم أنت محظوظة!
أشتمها؟ نعم فقد بالغت في الكذب تلك الحمقاء قارئة الفنجان.