تهمس الخطوات المتمهّلة حديث الوجع،وعينها الباهتة تأبى أن تلتقط صور النّاس و مطرقة الحرب تنهال على رؤوسهم، لتلاحق الحافلات المتراكضة في الشّارع الطويل:
- يا ويح قلبي! تسافرُ الموانئُ بحثاً عن الشّطآن.
تدعكُ عينيها لعلّ الرؤيةَ تتوضّح، ويرفرف في مخيّلة الخائف طيف الأمان. وتتابع سيرَ الهوينى و هي تحمل كيس خضراواتها بعدما غادر شبابها الدّيار، تضحك في سرّها ساخرةً من أحلام تلاشت بصغار سيكبرون، وتعتمدُ الأمّ عليهم عندما تطرق الشّيخوخةُ بابها:
- هيه... نقتات بالأمل، والغد مزروعٌ بالألغام، تفرغ من حولنا الأماكن، نبحث عمّن كان قربنا، فلا نجد إلا غربة الروح، والكثير الكثير من بنات حوّاء يحتملن المشقّات، ويسعين لمداواة الجراح في بلد حربه المجنونة أفقدته كلّ مقومات الحياة، .
حشرت نفسها مع مجموعة النّساء في الحافلة العموميّة، تلاقت نظراتهن النّاعسة، الباهتة، الكليلة في الفضاء المحبوس بأنفاسهنّ المتألمة ، وسرعان ما شرعت دموعهنّ تعزف آهات الفراق، ومنبّه جوّال إحداهنّ يرنّ على أغنية بصوت آسر( هيه يا دنيا! راحوا الغوالي يادنيا!...)