التقطَ حبةَ الدّواءِ من يدها المرتجفة بشفته المرتعشة، أردفتها بكأس ماء سال في جوفه بأناةٍ. عيناها تفرّان من الوقوف على ملامحه المرهقة، وجدران المطبخ تناديها لتحضير وجباته الخاصة.
استرضى عليها ربّ السّماء، وسكب في الفراغ كلمات شكر،وعبارات ودّ لم تجد سبيلا للدخول إلى رأسها. قامت تجرّ جسدها المتثاقل لتتابع مهامها غير مصدقة حنانه: سيغضب، وينزل على رأسها مطارق كلماته. حاول إيقافها، لم تجرؤ، فهي لا تأمن ثورات غضبه لأتفه الأسباب. تشبّثت غيمة الدمع بأهدابها، وصوت الماضي يصرّ على حصارها: سبابه، شتائمه تحفظها، ولن تفارق ذاكرتها.وقفت أمام التّقويم، وصوته الواهن يستعطفها، يطلب منها العودة لمؤانسته وهو الذي لم يكن يتريث للسؤال عن حالها، عن وجعها، عن شبعها، وعن جوعها. لم يغادر عتابها شفتيها المشققتين من قهر السنين: تأخرّ عطفك خمسين عاماً.