حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا .



أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب : القدر ، باب : تحاج آدم وموسى عند الله، رقم الحديث: 6614 .

وهذا الحديث أورده الإمام البخاري أيضا في كتاب القدر ، ولا زلنا نعيش مع هذا الباب المهم من أبواب العلم .

أولا : الجوانب الإيمانية والحياتية في الحديث النبوي الشريف .

الأساس في الحديث " التحاج بين موسى وآدم " عليهما السلام في عالم البرزخ ، وهي محاولة كل منهما أن يثبت رأيه في مواجهة الآخر عندما التقت أرواحهما في السماء ، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ، وهو ما يجب الإيمان به لثبوته خبر الصادق المصدوق دون أن تنشغل أذهاننا بالتفكير في مكان المحاجاة وزمنها ، المهم أن ذلك حدث وإن لم نتفق على حقيقة معنى التحاج بينهما عليهما السلام - كعذاب القبر ونعيمه - مما ينبغي التصديق به دون إرهاق الذهن بالبحث عن ماهيته ، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات فإنه لم يبق أمامنا إلا التسليم .

وأنت ترى خلافا في الرأي بين سيدنا موسى وسيدنا آدم عليهما السلام ، وهذه المحاجاة في أمور معضلة ، وهي مقدرة في علم الله تعالى سلفا غير أننا أحوج ما نكون إلى تفهم الحجة التي يقول بها كل منهما عليهما السلام

فموسى عليه السلام يبادر آدم بهذا الخطاب الشديد اللهجة الذي يحمل لونا من اللوم والعتاب .

يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، لعل يقصد أن يقول أنت الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فإذا لم تقع في الأكل من الشجرة لم يكن الإخراج من الجنة ، ولو لم يكن الإخراج من الجنة ما تكالبت الشهوات والشياطين على ذريتك على أن آدم - عليه السلام - كما ورد في الذكر الحكيم عندما وقع في المعصية أدركته عناية الله تعالى [وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى {121} ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى] [ طه : 122]؛ لذا فإن آدم عليه السلام عندما رد على سيدنا موسى توسط في الأمر ولم يتبرأ من الذنب ، وإنما أقر بحقيقة الذنب قائلا " أتلومنني على أمر قدره الله لنا قبل أن يخلقني بأربعين سنة " والواضح لنا أن هذا الحديث أصل ركين لأهل السنة والجماعة في إثبات القدر ، وأن الله تعالى قدر أعمال العباد ، فكل يصير بما قدر الله له بما سبق في علم الله .

وكون آدم عليه السلام تغلب على موسى بالحجة بمعنى أنه لا مجال للوم من قبلك إذ ليس لأحد أن يغير ما كان منه خاصة بعد أن تاب الله عليه ، ولما تاب الله على آدم فإنه لا يحتج عليه ولا يلام ولسان حاله إذا تاب الله عليه ذهب اللوم عني ، كما قال تعالى في المتخلفين عن غزوة أحد [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ {155}] [آل عمران : 155 ]

كما أن آدم عليه السلام بادر بالتوبة ونسب الظلم إلى نفسه ، وقال [رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ {23}] [الأعراف : 22 ]

ثانيا : الجوانب البلاغية والدلالية والوقفات البيانية :

هذا الحديث الشريف لطيف في بابه ، وفي مضمونه ، وفي دلالته وحيث نتعلم من خلاله جانبا حواريًّا في البلاغة النبوية التي تتصل بقضية مهمة ، وهي ضرورة التصديق بالقدر ، ولكن لم يأت الكلام بصورة مباشرة على سبيل الحض أو التوجيه ، وإنما أتى في صورة قصصية بليغة لا نستطيع أن نتبين أسرارها وجمالها إلا عندما نعايش آيات القرآن الكريم فيما ورد في قصة آدم وموسى عليهما السلام .

والجانب القصصي الذي يقوم عليه الحديث الشريف يؤسس هنا على النداء تارة ، وعلى الاستفهام تارة أخرى ؛ أي أن بلاغة النداء أعطت تشويقا وترقبا - انظر إلى قول موسى عليه السلام – " يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا " تحول من النداء الذي يفيد توجيه الانتباه إلى موضوع مهم إلى لغة خبرية " أنت أبونا " إثبات لحقيقة الأبوية ثم يتحول من تقرير حقيقة عامة إلى جملة فعلية تحمل من اللوم ما لا يخفى عليك في كلمات قاسية العقاب ، قوية في مضمونها .

وهي كلمات جديدة على أذن المستمعين الكرام ، انظر إلى " خيبتنا وأخرجتنا من الجنة " ، وهو يلقي باللوم على آدم عليه السلام في كل ما حدث من الإغواء والتزيين من الشيطان إلى الوقوع في الذنب .

وكان رد آدم عليه السلام لطيفا كأنه يريد أن يحسم الأمر بحجة أقوى فيها من الهدوء والاستدعاء الذي يجعل الأمر متوازنا بينهما عليهما السلام في قضية القدر .

وهنا تلاحظ البلاغة النبوية في استخدام النداء من آدم عليه السلام " يا موسى " اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده ، فهنا تحول النداء المباشر إلى لغة فعلية بجمل فعلية متتابعة بالعطف وهذا حسن تناغم بين كلام موسى وآدم عليهما السلام ، وهو مقارعة للحجة بحجة مماثلة في اللفظ والمعنى .

هذه هي البلاغة أما الدلالة فإن آدم عليه السلام يريد أن يقول أن الله تعالى أعطاك التوراة وخطها بيده ، وأعلمك بعذري ، وعرفك بالوحي ما جرى علي وما لم يجر ، ولو لم يحدث ما حدث ما كان لك لأنني لو بقيت في الجنة ما وجد من كافر وأرسلك الله إليه .

وهنا أطلق العموم في كلام آدم عليه السلام ، وأراد الخصوص الذي أوضحناه ، وفي الحديث مشروعية الحجة ، وفيه مناظرة العالم لغيره ومناظرة الابن لأبيه من باب إظهار الحق وازدياد العلم والوقوف على حقائق الأمور .

وأنت ترى أن موسى عليه السلام يخاطب آدم عليه السلام باسمه مجردا ومع ذلك أقره آدم على ذلك ، ولم يعارضه غير أنه أظهر حجة قوية في دفع الشبهة فتغلب آدم عليه السلام على موسى عليه السلام ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " فحاج آدم موسى ثلاثا ، وهي إشارة منه على بلاغة التكرار عند الحاجة إليه ، وعند لزومه لتمام المعنى .