مرحباً بك أيها القارئ الكريم ... هيا بنا نستأنف حديثنا عن ضرورة الدين وحاجة الإنسان إليه كي تستقيم حياته وقد ذكرنا في المقال السابق بعض الدلائل على كون التدين فطرة وأن حاجة الإنسان إلى الدين أشد من حاجته إلى الماء والهواء لأن بالدين تستقيم حياة الإنسان وتنسجم روحه

ومما سبقَ يتبين : إن الدين للإنسان من الشئون الضرورية التي لا حياة له إلا بها والله – سبحانه وتعالى – قد خلق الناس ، ولم يتركهم وشأنهم بل اختار لهم نظماً
وأحكاما تسعدهم في الدنيا والآخرة ، وذلك لان الإنسان عاجز عن إدراك المغيبات ، ويتأثر تفكيره بمؤثرات من الزمان والمكان والمجتمع وهو عاجز عن حمل غيرة على طاعته ، لعدم قدرته على القهر الذي يرغم الناس على كمال الطاعة ، ولهذا جعل الله – سبحانه وتعالى – في كل أنة رسولاً منها ، وأيده بالمعجزات ، وأمده بتعاليم السماء ، لينشر الخير ويعالج الشر (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً{165}) (النساء : 165) وقد شرع الله – تعالى – لخلقه ما يناسب حالهم ، ويتلاءم مع ظروف حياتهم ، وقوة إدراك عقولهم ، وقوة احتمالهم .
وإذا كان الدين والتدين أمرا غريزيا وفطريا في الإنسان ، في كل زمان – كما عرضنا – فان الدين الإسلامي هو : الدين الحق الذي رضي الله – تعالى – للناس جميعا والآية الكريمة التي عدت الدين عند الله الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (آل عمران: 19) تعنى : مجموعة المبادىء الإسلامية وتعاليم الإسلام فالإسلام مر بمراحل كبيرة عبر أنبياء الله ورسله إلى إن انتهى إلى المرحلة المتكاملة في رسالة محمد صلى الله علية وسلم التي جاءت إلى الإنسانية كلها إذن رسالة الإسلام هي الإسلام الشامل للإنسان في وحدة إيمانها بالله ، قال تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (المائدة : 3) ولهذا كان الإسلام يشتمل على امتداد زماني في الفكر الديني ، يعرض لقضية البشرية من نشأتها إلى غايتها ، ويشتمل على شمول موضوعي يغطى مجالات الحياة جميعاً ، ويشتمل على شمول يضم الأديان كلها ويدعوها إلى تصحيح معتقداتها" .
فالديانات وان تعددت في الفروع والتكاليف والأعمال ، فقد اتحدت في المصدر الذي صدرت عنه ، وهو الله – تعالى – واتحدت – أيضا – في الأصل الذي دعت إليه وهو التوحيد ، فالقدر المشترك بين الرسالات جميعا هو : تصحيح العقيدة أولا ، ثم معالجة الإمراض الخلقية والاجتماعية الموجودة في تلك البيئات ،



قال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (النحل : 36) وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء :25) وقال تعالى : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13) .
ولقد جاء الإسلام في جانبه الإيماني ، يؤكد هذه الأسس ، التي أكدها كل نبي ، ولكنه في الجانب الذي يستتبع الشريعة ، جانب الالتزام والعمل كان الإسلام الفصل الأخير في تكامل التشريعات .
وهذا الطابع الشمولي الملتقى في أسس العقيدة ، والمتكامل في التشريع هو الذي جعل من الإسلام الصيغة الوحيدة الباقية المستمرة ابد الدهر ، ولعل هذا هو السر الذي جعل من الإسلام كلمة تختص بالدين الذي جاء به رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم .
ووحدة الأيمان حقيقة تفرضها وحدة المصدر بصورة قاطعة ، لا تقبل الجدل ، أو التشكك ، ولا يغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الأنبياء ، الذين أرسلهم الله إلى عباده .
فالأيمان بالله – سبحانه وتعالى – ليس غريزة فطرية ، بل هو ضرورة ، فالدين عنصر ضروري ، والإنسانية بحاجة إليه ، للكمال النفسي والروحي ، فالإنسان جسم وروح ، والجسم يتغذى بالطعام والشراب ، بينما تتغذى الروح بالإيمان والعقيدة ، وعلى ذلك فالإسلام منهج شامل لأمور الدنيا والآخرة ، محقق لمصالح الفرد والجماعة ، قوامة الشريعة والعقيدة والأخلاق ، فليس دينا فقط ، ولكنه دين ونظام وحياة ، لا تنفصل فيه العلاقة بين الله والإنسان ، عن الصلة بين الإنسان والإنسان ، وهو ينظمها جميعا .

فالعقيدة الإسلامية ضرورة للإنسان ، وذلك لرفع مستواه والمحافظة عليه من الانحراف المادي والإلحادي .
ومن القواعد المقررة إن الإنسان مدني بطبعة ، ومعنى ذلك إن الإنسان بفطرته يميل إلى التعارف والتعايش مع غيرة ، ولذلك جعل الحق – سبحانه وتعالى – التعارف بين الناس من أهم أسباب خلقه لهم ، إذ قال سبحانه وتعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}) (الحجرات :13) هذا التعارف ليس مقصودا لذاته ، وإنما جعل أولا غذاء لطبيعة الإنسان ، وثانياً : وسيلة للتعارف على كل ما فيه إسعاد البشرية ، وتحقيق حياة أفضل لأفرادها فى جانبها المادي والفكري ، وبين ذلك المفكر محمد عبد الله دراز ، فيقول : " انه لا قيام للحياة في الجماعة ، إلا بالتعاون بين أعضائها ، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته ، ويحدد حقوقه وواجباته ، وهذا القانون لا غنى له عن سلطان نازع ووازع يكفل مهابته في النفوس ، ويمنع انتهاك حرمته .
وعلى ذلك نستطيع إن نقرر – دون إن نجانب الصواب -: انه ليس على وجه الأرض قوة تكافىء قوة التدين ، أو تدانيها في كفالة احترام شرع الله وضمان تماسك المجتمع ، واستقرار نظامه ، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة والسر في ذلك ان الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية بأن أفعاله وإعماله الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره ولا يوضع في يده ولا في عنقه ولا يجرى في دمه ، ولا يسرى في عضلاته وأعصابه ، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكر والعقيدة ، وقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع ، وحسبوا إن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية ، بل يتأثران بها" .

وليست قوانين الجماعات ، ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق ، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل فان الذى يؤدى واجبة رهبة من السقوط أو السجن ، أو العقوبة المالية لا يلبث إن يهمله متى اطمأن إلى انه سيفلت من طائلة القانون .
والقانون إما ألهى أو وضعي : لان كل حضارة شطران : شطر روحي ، وشطر مادي ، فالشطر المادي الذى يعتمد على الحس والعقل وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بالشطر الروحاني أو النظري ، والشطر النظري : العقيدة والأخلاق ، والتشريع ، ونظام المجتمع . ولذلك جاءت العقيدة السلامية كاملة هادية للعقل في الجانب النظري ، فشملت التشريع ، والأخلاق ، ونظام المجتمع ، ومن خصائص الوحي فيما يتعلق بالتشريع : انه هاد للعقل ، وكما إن الدين هاد للعقل ، كان لابد في استخدام العلم من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية ، وعمارة الأرض ، لا إلى نشر الشر والفساد ، ذلكم الرقيب هو : العقيدة والأيمان .
ولا يخفى على أهل العلم : إن من الخطأ المبين إن يظن بعض الناس إن في نشر العلم والثقافات وحدها ضمانا للسلام ، والرخاء ، وعوضاً عن التربية والتهذيب الديني والخلقي . ذلك إن العلم سلاح ذو حدين ، يصلح للهدم والتدمير ، كما يصلح للبناء والتعمير فكما يستعمل للخير ، يستعمل كذلك للشر ، فلابد للعلم من تربية عالية ، وتوجيه سديد ، وإيمان راسخ يوجه المجتمع ، وذلك إن وظيفة العلم محصورة في الجانب الحسي المحض فهو يقف عند حدود لا يتجاوزها ، بينما وظيفة الدين بالحياة ذات مجال رحب فالإسلام بما حواه من هداية إلهية وتشريعات سماوية يكفل للمجتمع الإنساني كل عوامل السعادة والأمن والاستقرار ، ولا يكون ذلك عن تشريع وضعي ، ولا يضعه فرد ، أو جماعه معينه ، ذلك لان الإنسان مهما سما فكره ونضج عقله ، لا يمكن إن يحيط بكل ما يوفر للإنسانية أمنها واستقرارها .