خرجَ من الزّحامِ ولآلئُ الجبينِ تتدفّقُ، مسحها بكمّهِ وقد أشرقت الابتسامةُ على وجهه، تردّ على أقلام التّلوين الضّاحكة له. تنهّد بارتياح وهو يبتعد عن المتزاحمين حول سيّارة غنيّ ولجَ مخيّمَ اللّجوءِ يبيعُ السّرورَ لصغارٍ حرمهم لهيبُ الخراب بهجةَ الطّفولةِ وحضنَ الأمانِ.
عبَرَ الزّقاَق الضيّق بين الخيام المتناثرة قفزاً، استوقفته جموع المترقبين لأمل خفيّ، يسألونه عن سرّ الازدحام، أخبرهم بالكنز الذي حصل عليه. هزّ عجوزٌ رأسه: اُرسم لي حقل سنابل، طحيناً، فرناً وخبازاً اًريد رغيف عزٍّ من طحينِ بلادي.
عضّ شابٌّ على أسنانه: اِمنحني عربةً للبيعِ، خيمةً للعمل، أريدُ شرف الإنسان، بيتاً، أسرة.
اقربت منه الصبيّة على استحياء: ارسم لي بيتاً فيه خزانة وحمام، أريد خاتماً، بيتاً وأطفالا.
تحسّس العاجزُ رجليه: هل لي بأطرافٍ صناعيّة؟ هل يقفز كرسيّ العجلات من صفحاتك؟
اقربت منه ثكلى: أريد أولاداً يتشاجرون حول مائدةِ الطّعام.
فتح الصبيُّ فمه ببلاهةٍ، لم يعدْ يسمع ما يقول هذا و لا ذاك، غرقت حدقتاه في بحر الدموع: يا أسى الوجع من بؤس المشرّدين!
قفزت الأقلامُ من يدِ الطّفل، وعلى ترانيم روحه البريئة شرعَ يرسمُ وطناً بلا حربٍ.