يتضمن النمو الاجتماعي عند الأطفال والراشدين مجموعة من المهارات التفاعلية الإجتماعية أهمها: عمليات الفهم والتعاطف الاجتماعي، تكوين الصداقات، مهارات اللعب وقضاء وقت الفراغ، الاعتماد الاجتماعي والشخصي، والسلوك الاجتماعي المناسب.
وقد تناولت الأبحاث التربوية جميع هذه المجالات عند أطفال متلازمة داون لمقارنتهم بغير المعاقين، حيث تبين أن التفهم الاجتماعي، التعاطف، ومهارات التفاعل الاجتماعي تكون نامية بشكل كافٍ لدى الأطفال والراشدين من متلازمة داون، والتي يتم اكتسابها عبر الحياة مما يطور من الدمج المجتمعي وتحسين نوعية الحياة.
تتأثر فرصة بناء الطفل لعلاقات الصداقة مع الآخرين بالاستقلال الاجتماعي، وبالتأخر المعرفي، وبمهارات اللغة والكلام، لذلك لا بد أن يفكر الآباء والمعلمين في طرق زيادة فرص تنمية هذه الصداقات خلال المرحلة الأساسية من المدرسة وفترة المراهقة،

وقد أكد الباحثون على أهمية بناء أطفال متلازمة داون للصداقات مع الأقران سواء من نفس الإعاقة أو غيرهم من غير المعاقين، نظراً لحاجتهم إلى تطوير مهارات اللعب، المهارات الاستقلالية والترفيهية. علماً أن معظم الأطفال من متلازمة داون لديهم العمر الاجتماعي المناسب للأطفال الآخرين، لكن بعض الأطفال يطورون سلوكيات صعبة، تسبب للأسرة الضغط وتؤثر على الدمج التعليمي والاجتماعي.
لا يختلف أحد حول أهمية النمو الاجتماعي للطفل، لما يشكله من مساعدة فردية له، تتضمن القدرة الاجتماعية وتكوين الأصدقاء والعناية بالذات، والتأثير على مختلف جوانب الحياة اليومية، ليس ذلك فحسب، فالثقة والكفاءة الاجتماعية قد تكون أكثر أهمية من المهارات الأكاديمية من أجل الاستقلال، إيجاد العمل، تكوين الأصدقاء والاستقلال في المجتمع كراشد.

إن معظم جوانب التطور الاجتماعي تتضمن التفاعل أو النشاط الاجتماعي مع الناس الآخرين، لذلك فإن القدرة على فهم السلوك، وانفعالات ومشاعر الآخرين هو أمر مهم للنجاح في إقامة العلاقات الاجتماعية. وإن القدرة على التواصل بفعالية مع الآخرين أمر لا يقل أهمية عن تطوير العلاقات الإجتماعية والتعامل مع مهارات الحياة اليومية.
إن الفهم الاجتماعي عند الأطفال من متلازمة داون عادة ما يكون قوياً في بداية الطفولة، حيث أن الكثير من الإيماءات التي يعبر بها الفرد عن مشاعره هي غير لفظية، فعلى سبيل المثال: نغمة الصوت، التعبيرات الوجهية ولغة الجسد، لذلك، فحتى لو لم يكون الشخص قادراً على فهم اللغة المنطوقة التي يتم استخدامها في المواقف الاجتماعية، إلا أنه يبقى قادراً على التقاط وتفهم لغة الجسد والرسائل الرئيسية الموجهة له عبر المشاعر، والتصرف بطريقة ملائمة على الرغم من التأخر في مهارات اللغة الشفهية المنطوقة.
وهذا ما قاد العديد من الباحثين للتأكيد على أهمية المهارات الاجتماعية الجيدة، فالتعاطف والكفاءة الاجتماعية المتوفرة عند أغلب الأطفال والمراهقين من متلازمة داون، تمكنهم من الفهم الاجتماعي الأفضل، وممارسة السلوك الاجتماعي بالمقارنة مع الأطفال الآخرين من نفس مستويات التأخر المعرفي والتواصلي، وبالتالي فهذا يساعدهم على أن يكونوا ناجحين في الأنشطة المجتمعية، وفي الدمج التربوي، وإن الفهم الاجتماعي الجيد لسلوك الآخرين يمكّن أطفال متلازمة داون بأن يمارسوا السلوك غير المرغوب فيه عن وعي عندما يرغبون بذلك، وهم يعرفون تماماً كيف يصدرون ردود الفعل التي يريدونها.
ومن المهم في هذا المقال التأكيد على أن أطفال متلازمة داون هم أشخاص مختلفون كلياً عن بعضهم البعض في المهارات الاجتماعية، والقدرات التواصلية والفهم، إضافة إلى أن نموهم الاجتماعي _كغيرهم من الأطفال الآخرين_ يتأثر بمجموعة من الخبرات الأسرية، المدرسية والمجتمعية، وبالطريقة التي يتعامل الآخرون معهم بها.
إن سلوك الطفل غالباً ما يتأثر ويتغير بشكل مستمر في البيئة التي يشعر فيها بالأمان ويفهم ما هو المتوقع منه، بالمقارنة مع سلوك الأطفال الآخرين عندما يستشعرون الانفعالات السلبية، أو عندما لا يتمكنون من شرح مشكلة ما واجهتهم.
هناك عدد قليل من الأطفال ذوي متلازمة داون لديهم ظروف أخرى كالاضطرابات النمائية العصبية neurodevelopmental disorders، بما فيها اضطرابات طيف التوحد، حيث يواجه هؤلاء الأطفال مصاعب اجتماعية، ولا يظهرون الفهم الاجتماعي الجيد الذي يظهره عادة الأطفال من متلازمة داون.

ونشير هنا إلى أهم الأمور المؤثرة في النمو الاجتماعي للطفل:
o المزاج والشخصية
o اللغة والقدرات المعرفية
o البيئات الأسرية
o التوقعات والتدابير
o مصاعب محددة مثل التوحد، الحركة الزائدة، الاضطرابات الإستحواذية

يبدأ التطور الاجتماعي من الأيام الأولى لحياة الطفل ويتأثر بشدة بخبراته التي عايشها مع والديه والقائمين على رعايته، وفي المقابل يتأثر الوالدان ومقدموا الرعاية بمزاج وسلوك الأطفال الصغار منذ الأيام الأولى لعمرهم، فهناك بعض المواليد الذين يكونون أصعب من الآخرين، وهناك بعض الآباء الذين يكونون قادرين على التعامل مع مصاعب الطفل بثقة أكثر من آباء آخرين، وبكلمة أخرى فإن عملية النمو هي عملية داينامية متبادلة بحيث تؤثر فيها سلوكيات الطفل ووالديه بعضها البعض، وإن الخبرات التي يكتسبها الطفل بمرور الوقت تؤثر في نموهم بالإضافة إلى تركيبتهم البيولوجية. وسنحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على أربع جوانب من جوانب النمو الاجتماعي والتي تؤثر على النمو الاجتماعي لأطفال متلازمة داون، وهي: المزاج والشخصية، القدرات المعرفية واللغوية، البيئات الأسرية، التوقعات والتدابير.

المزاج والشخصية:
يتأثر سلوك الأطفال ونموهم الاجتماعي بالمزاج والشخصية، فبعض الأطفال هم قلقوا المزاج، وآخرون يتميزون بالهدوء والوداعة. بعض الأطفال ودودين واجتماعين، وآخرين يميلون إلى الخجل، ويجدون من الصعب عليهم إقامة علاقات مع أصدقاء، وقد أفادت الدراسات أن نطاق السمات المزاجية والشخصية بين أطفال متلازمة داون، لا تختلف عن نطاق تلك التي تمت ملاحظتها عند الأطفال الآخرين، وهناك أدلة ضعيفة تدعم الصورة النمطية عن أطفال متلازمة داون على أنهم جميعهم يميلون إلى الوداعة والسعادة.
يستخدم المزاج لوصف النمط السلوكي الأساسي الذي يتمتع به الطفل، ويمكن تمييز الطابع السلوكي للأطفال الصغار عن طريق جمع المعلومات عن مستوى النشاط، انتظام الوظائف البيولوجية مثل الجوع، النوم وحركة الأمعاء، الاستعداد لتقبل أناس جدد في مواقف جديدة، التكيف مع تغيرات الروتين، الحساسية للضجيج، الأضواء الساطعة والمثيرات الأخرى، وفيما إذا كان مزاج الطفل يميل إلى الفرح أو عدم السعادة معظم الوقت، شدة الاستجابات، القابلية للتشتت ودرجة الثبات.
وقد اعتمد الباحثون على هذه السمات في تحديد مجموعة من أنماط المزاج التي تتطور عند الأطفال في مختلف مراحلهم العمرية، بما فيها درجات السهولة والصعوبة، وقد أشرات الدراسات المرتبطة بمتلازمة داون ان نسبة الأطفال الذين صنفوا في كل نمط من هذه الأنماط هي مشابهة للمقدار الموجود عند الأطفال الآخرين.

فعلى سبيل المثال:
في دراسة لأطفال من متلازمة داون تتراوح أعمارهم بين 12-36 شهر، صنف 42 %منهم على أنهم من النمط السهل، 16 %من النمط الصعب، 13 %منهم بطيئي الاحماء، و29 % ضمن خط الوسط، هذا بالمقارنة مع دراسة تمت على أطفال غير معاقين، تبين فيها أن 38 %منهم صنفوا على أنهم من النمط السهل، 12 %من النمط الصعب، 6 %بطيئي الاحماء، و44 %ضمن خط الوسط.
وتوضح هذه الأرقام النسب المئوية على أن مدى الأمزجة التي لوحظت عند أطفال متلازمة داون هي متشابهة مع الأطفال الآخرين، وكذلك تشير هذه الأرقام إلى مدى الاختلافات الفردية في الأمزجة بين أطفال متلازمة داون، الأمر الذي يفيد بشكل جلي بأن الصورة النمطية التي تفيد بأن هؤلاء الأطفال هم متشابهون هي صورة بعيدة عن الصحة. وتفيد هذه المعلومات أيضاً بأن أطفال متلازمة داون _وكغيرهم من الأطفال_ سوف يكون من الصعب السيطرة عليهم بالمقارنة مع الآخرين، ويواجه بعضهم صعوبات اجتماعية بالمقارنة مع الآخرين، كنتيجة للإختلافات في الأمزجة، وبعض الأطفال والمراهقين من متلازمة داون _كغيرهم_ يواجهون مصاعب إضافية مثل اضطراب طيف التوحد autism spectrum disorders (ASD، اضطراب نقص الانتباه والحركة الزائدة attention deficit hyperactivity disorders (ADHD),، اضطرابات الوساوس القهرية obsessional compulsive disorders (OCD)، القلق والاكتئاب، والتي لا بد من تشخيصها وعلاجها بشكل ملائم، حيث أن أي من هذه المشكلات الإضافية سوف يؤثر في الأداء الاجتماعي.

القدرات اللغوية والمعرفية:
يؤثر النمو الاجتماعي للطفل على فهمه للعالم من حوله وعلى سلوكيات الآخرين، لذلك فالأطفال الذين لديهم تأخر في النمو المعرفي (العقلي) من المرجح أن يواجهون صعوبات في الأداء الاجتماعي والضبط الذاتي لسلوكهم، فهم تتأخر عملية إدراكهم للسلوكيات التي تعتبر خطيرة أو غير المقبولة اجتماعياً.
إن مستوى النمو اللغوي عند الأطفال يؤثر أيضاً في جميع جوانب النمو الاجتماعي، وفي الوقت الذي يتطور فيه فهم الأطفال اللغوي، يصبح من الممكن الشرح لهم لماذا هناك سلوكيات معينة تعتبر مرغوبة، فيما لا تعتبر سلوكيات أخرى مرغوبة، (على الرغم أن ذلك يمكن أن يتم شرحه أيضاً بالطرق غير اللفظية، بالحركات والايماءات)، ومع تطور مهاراتهم اللغوية والتواصلية، فإنهم يمرون بمواقف أقل إحباطاً، ويصبح بإمكانهم التعبير عن مشاعرهم، وطلب ما يريدونه. إضافة إلى أن النمو اللغوي مهم أيضاً في تنظيم الذات، في الوقت الذي يلجأ الأطفال إلى الصمت أو الكلام الخاص للسيطرة على سلوكياتهم، وهذا ينطبق أيضاً على المراهقين من ذوي متلازمة داون.
لذلك فمن الطبيعي أن يكون الأطفال من متلازمة داون المتأخرين عقلياً ولغوياً، تحت خطر مواجهة صعوبات سلوكية واجتماعية، وأنهم يحتاجون بشكل أكبر إلى المساعدة في إدارة أمورهم لفترة من الوقت، أطول من الأطفال الآخرين خلال مرحلة الطفولة، علماً أن السلوك الاجتماعي والكفاءة الاجتماعية لدى معظم أطفال متلازمة داون تتحسن بشكل مستمر مع التقدم في العمر.

البيئات الأسرية:
يتأثر جميع الأطفال بشكل كبير بالخبرات التي يمرون بها مع أسرهم وعلاقاتهم ضمن الأسرة، وبالشخصيات التي يعايشونها يومياً وبتفاعلات الأسرة الاجتماعية. ويحتاج الأطفال لأن يشعروا بأنهم مرغوبين ومحبوبين، وبالأمان العاطفي، وبتلبية حاجاتهم الأساسية في الدفء، والطعام والعناية.
وتمر بعض الأسر بصعوبات أكثر بالمقارنة مع الأسر الأخرى في إيجاد المناخ العاطفي الداعم للطفل، إضافة إلى التواصل الفعال بين أفراد الأسرة، بحيث تكون تربية الطفل في هذه الأسر أكثر صعوبة بالمقارنة مع الأسر التي تتمتع بالاستقرار العاطفي، حيث يواجه الأطفال في الأسر غير المستقرة، صعوبات سلوكية واجتماعية أكبر، وصعوبات مدرسية أيضاً.
وهناك بعض الأسر التي لديها ظروف ومشكلات اجتماعية تختلف عن الأسر الأخرى، مثل: البطالة، انفصال الزوجين، ظروف المسكن أو الفقر، حيث يجد الوالدين تربية الأطفال أكثر صعوبة، ويتعرض أطفالهم لخطر التعرض للمشكلات النمائية.
وقد أثبتت الدراسات أن هذه الاختلافات بين الأسر لها نفس التأثيرات على نمو وتطور أطفال متلازمة داون، كما هو عليه الحال لدى بقية الأطفال. بالإضافة إلى أن بعض الأسر تجد من الصعب عليها تكييف نفسها لتربية طفل من ذوي الإعاقة، وإن الطريقة التي يتكيف بها الوالدين مع الإعاقة، وعملية تلقيهم أنظمة الدعم الخارجي، كلها تؤثر في تطور أطفال من متلازمة داون.

التوقعات والتدابير:
إن تربية الأطفال هي مهمة صعبة بالتأكيد، وإن تطور ونمو الطفل يتأثر بالتوقعات التي تحملها الأسرة، ومهارات التعامل التي يمتلكها الوالدين، حيث يستجيب جميع الأطفال للتغذية الراجعة التي يتلقونها عن أنفسهم، وعن سلوكهم والطريقة المتوقع أن يتصرفوا بها. ويواجه الآباء صعوبة في ما يتوقعونه لسلوك طفل عمره سنتين بالمقارنة مع توقعاتهم لسلوك طفل عمره 5 سنوات، حيث يختلف الآباء في نظرتهم إلى المتطلبات اللازمة لحدوث السلوك الجيد، وفي قدرتهم على التعامل مع السلوكيات الصعبة، وهذه الاختلافات في توقعات السلوك والمهارات التدبيرية التي يمتلكها الوالدين تؤثر في النمو الاجتماعي للطفل في جميع الأسر.
وعندما يكون لدى الطفل إعاقة، سيواجه الوالدين صعوبة أكبر في تحديد التوقعات والمطالب اللازمة للسلوك الجيد. فهل سيحكمون على ذلك بالاستناد إلى المهارات النمائية عند الطفل أم إلى عمره الزمني؟ فمن السهل التعامل مع طفل معاق على أنه أصغر سناً، على الرغم أن قدراته قد تكون أكثر نضجاً مما هو متوقع.
إن التأخر في القدرات المعرفية والتطور اللغوي لدى غالبية أطفال متلازمة داون قد يجعل من الصعوبة عليهم التعامل مع بعض المواقف، وإن الروتين وتوقعات السلوك الواضحة تساعد الطفل على فهم القواعد بسهولة.
يحتاج الآباء ومقدموا الرعاية الآخرين أيضاً إلى تشجيع وتعزيز السلوك الجيد، وفي مرحلة المدرسة وما قبلها من المتوقع أن يتصرف أطفال متلازمة داون اجتماعياً بطرق تتفق مع العمر ويتكيفوا مع روتين المدرسة، وإن المشكلات السلوكية التي تظهر عند أطفال متلازمة داون في المدرسة أو المجتمع، غالباً ما يكون سببها عدم القدرة على التعامل مع السلوك وإدارته.
في حين، فإن أطفال متلازمة داون يستطيعون المواجهة، وغالباً بشكل غير مناسب، وكثيراً ما يرون أنه يمكنهم رفع الحدود في موقف معين، حيث تكون بعض هذه السلوكيات عبارة عن سلوكيات تعلم واستكشاف، وهم غالباً ما يستخدمون فهمهم الجيد لسلوك الآخرين ليحصلوا على ردود الفعل التي يريدونها،
فعلى سبيل المثال: يهرب الطفل بعيداً لكي يتم اللحاق به كنوع من اللعب، أو سلوكيات أخرى مثل ميله إلى لمس الأطفال الآخرين أو أعمالهم، أو إثارة ضجة في الصف من أجل لفت انتباه المعلم.
وهناك سلوكيات عند بعض الأطفال ليس من السهل تغييرها، خاصة إذا كان يمارسها الطفل بشكل مستمر في المدرسة أو البيت، لذلك فعلى الوالدين والمعلمين العمل معاً من أجل تطوير استراتيجية عامة لتغيير السلوك.