يُشرع عند ذكر الله في الصلاة أو في غيرها تحريك اللسان؛ قال النووي - رحمه الله - في كتابه الأذكار (ص: 13): "اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها - واجبةً كانت أو مستحبةً - لا يُحسب شيء منها ولا يُعتدُّ به حتى يتلفَّظَ به بحيثُ يُسمِع نفسَه إذا كان صحيح السمع لا عارض له".
وهذا التحريك هو من التضرع المأمور به في قول الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]؛ أي: اذكر الله في نفسك خاليًا، فمَن ذكر الله في نفسه خاليًا ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في الملأ ذكره الله في ملأ خير منهم؛ كما في الحديث القدسي، وليس المراد أن يَذكُر الله بقلبه بدون تحريك لسانه، فإن هذا - وإن أُجِرَ عليه الإنسان - ليس من التضرُّع، فالتضرع هو إظهار التذلل والتخشُّع.
وقد مدح الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114]؛ أي: كثير التضرُّع لله، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يُكثِر من ذكر الله بتضرُّع وتأوُّه، وربما سمعه بعض من حوله.
روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: افتقدتُ النبي صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلة، فظننتُ أنه ذهَب إلى بعض نسائه، فتحسستُ ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: ((سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت)).
وروى أبو داود والترمذي وصحَّحه الألباني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن كنا لنعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ((ربِّ اغفر لي، وتب عليَّ؛ إنك أنت التواب الغفور)).
وروى أبو داود وصححه الألباني عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: ((كيف تقول في الصلاة؟))، قال: أتشهد وأقول: اللهمَّ إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((حولها نُدندِن))، قال ابن الأثير في النهاية: الدندنة هي أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمتَه ولا يُفهَم.
فالمقصود أن التضرع لله يكون بتحريك اللسان عند الذكر وقراءة القرآن.
ومن أخطاء بعض الذاكرين أنهم يأتون أذكار الصباح والمساء والنوم والأكل ونحو ذلك بقلوبهم بلا تضرُّع بألسنتهم، بل بعضهم يصلي ولا يحرك لسانه بالقراءة والذكر، وبعضهم يقرأ القرآن الكريم بلا تَحريك للسانه، وهذه ليست قراءة بل تأمل، والله يقول: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4].
وفي الحديث الصحيح في سنن أبي داود وغيره: ((ليس مِنا من لم يتغنَّ بالقرآن))؛ أي: يحسِّن صوته بالتلاوة بقدر استطاعته، وقد نصَّ الفقهاء على أن من صلى ولم يُحرِّك لسانه فإن صلاته باطلة لأنه لم يقرأ الفاتحة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، ولم يقل: لمن لم يتأمَّل فاتحة الكتاب؛ فلا بد من القراءة بتحريك اللسان.
وهذه أقوال بعض الفقهاء في المسألة:
1- قال الكاساني - رحمه الله - في بدائع الصنائع (4 / 118): "القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان بالحروف؛ ألا ترى أن المصلي القادر على القراءة إذا لم يحرِّك لسانه بالحروف لا تجوز صلاته، وكذا لو حلف لا يقرأ سورة من القرآن فنظَر فيها وفهمها ولم يحرك لسانه لم يحنث"؛ انتهى، يعني: لأنه لم يقرأ، وإنما نظر فقط.
2- نقَل ابن رشد - رحمه الله - في البيان والتحصيل (1 / 490) عن الإمام مالك - رحمه الله - أنه سُئل عن الذي يقرأ في الصلاة، لا يُسْمِعُ أحدًا ولا نفسَه، ولا يحرك به لسانًا، فقال: "ليست هذه قراءة، وإنما القراءة ما حُرك له اللسان".
3- قال ابن الحاجب - رحمه الله -: "لا يجوز إسرار من غير حركة لسان؛ لأنه إذا لم يحرك لسانه لم يقرأ وإنما فكر"؛ انتهى من كتاب: مواهب الجليل (1 / 317).
4- قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "يجب أن يحرِّك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة ونحوها مع القدرة، ومن قال: إنها تصحُّ بدونه يُستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب"؛ انتهى من: مختصر الفتاوى المصرية (ص: 43).
5- وسُئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: هل يجب تحريك اللسان بالقرآن في الصلاة؟ أو يكفي بالقلب؟ فأجاب: "القراءة لا بد أن تكون باللسان، فإذا قرأ الإنسان بقلبه في الصلاة فإن ذلك لا يُجزئه، وكذلك أيضًا سائر الأذكار، لا تجزئ بالقلب، بل لا بد أن يحرك الإنسان بها لسانه وشفتيه؛ لأنها أقوال، ولا تتحقق إلا بتحريك اللسان والشفتين"؛ انتهى من: مجموع فتاوى ابن عثيمين (13 / 156).
6- وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (21 / 249): "لا يعتدُّ بشيء مما رتَّب الشارع الأجر على الإتيان به من الأذكار الواجبة أو المستحبة في الصلاة وغيرها حتى يتلفظ به الذاكر ويُسمع نفسه إذا كان صحيح السمع؛ وذلك لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة بأن من قال كذا كان له من الأجر كذا، لا يحصل له ذلك الأجر إلا بما يصدق عليه معنى القول، وهو لا يكون إلا بالتلفُّظ باللسان، ولا يحصل ذلك عند الجمهور بمجرد تحريك اللسان بغير صوت أصلاً، بل لا بد من صوت، وأقله أن يُسمع نفسه، وقال الشوكاني: لم يرد ما يدل على اشتراط أن يُسمع نفسه بل يصدق عليه أنه قول بمجرد التلفظ وهو تحريك اللسان وإن لم يُسمع نفسه".
قلت: وما ذكره الشوكاني - رحمه الله - هو مذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين، وهو الأرجح كما هو مفصَّل في فتاوى الشبكة الإسلامية (126532)، لكن الأفضل أن يسمع المصلي والذاكر نفسه، لأنه أقرب إلى التضرع المأمور به شرعًا.
وأما تحريك اللسان بالذكر فاتَّفقَ الفقهاء على وجوبه في الصلاة، فلا تجزئ القراءة والذكر في الصلاة بالقلب فقط باتفاق العلماء، وأما خارج الصلاة فيؤجر الإنسان على إجراء القرآن أو الذكر على قلبه، لكنه لا يؤجر بذلك أجر من قرأ بتحريك لسانه وتضرَّع لربه، وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه (3792) وصحَّحه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله - عز وجل - يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكَرَني وتحرَّكت بي شفتاه)).
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.