اخترقت جسده خلسةً بعد أن أطلقتها كفّ مجهولة من ساعد غبيّ مطحون بالخوف والرّغبة بالحياة. شعر بحرارة لقائها، سالت دماؤه لزجة ساخنة. أطبق شفتيه يستجدي اللعاب: عطش ... حلقي جافٌّ. ما من أحد يسمع صراخه، أصوات القذائف تعلو على أنين روحه المتصاعدة: واثق من التّحليق في المجهول. أغمض عينيه:
حين أرحل لن يتقدّم الواقفون على باب المخبز... و لن تقل ساعات تقنين الكهرباء...لن يعود الماء يجري في الصّنبور... ولن يعود الشباب المهاجرون...ولن تمسح من ذاكرتهم رحلة عبور على قارب موت... ولن يدفنوا أجساد الغرقى في بلادهم...لن تنجب الأرامل الثّكالى أبناءً تحلم بهم الصّبايا اللواتي وقفن في طابور العنوسة الطويل... لن يعود السّقف المهدّم ليجلس فوق الأعمدة. وحدها صغيرتي تبكي بألم وترجو القطع ليد جلاد تسوقها بكرسيها. ينتفض متوجّعا، ويطرق سمعه صوتها يخرج مرغما عنها خوف العقوبة من تجار الضّحايا: لله يا محسنين!