تلوح حقيبتُه جيئة وذهابا على رقصات أفكاره المتزاحمة، على وقع خطواته المتسارعة تسابق ألسنة اللّهب.تتأرجح منتفخة برأس ماله الذي يعاني الرّكود. والبحث عمن يشتري يُلزمُه بكسر خطّ المقبول واللامعقول، حيث شمسُ آبَ تعرض بضاعتها، تحرق وجهه، تضرب ظهره، وتداعب بسطوتها بشراً في وطنٍ رغيفُهُ خيّال سباق، وعلبة دوائه تمساحٌ على بساط الرّيح. غنيّه مشغولٌ بالعزف على الأسعار، وبسحب الثروة من أفواه جائعة، وبالنّيل من أرواح معذّبة، وتقديمها لأولاده يمرحون، ويستعبدون.
وتلميذ المدرسة شهريار العصر كلمة الرّفض سيف على رقبة المدرّس تقطع رزق عياله، وابتسامة الرضى المرسومة على وجهه المستهتر تجعله الشهرزاد السعيدة التي ستؤمن رزق هذا العام.
وربّ الأسرةِ الفقير في دائرة المرارة يلفّ ويسعى ليكسو الأبدان، ليشبع البطون، ويسعى لتنمية العقول بعدما فقدت مقاعد الدّراسةِ ألقها، وتنحّت سبورة المدرسة الخضراء عن بهجتها، وصار النّجاح سلعة يحكمها مَن يسرّب أجوبة الامتحان إلى قاعات تتسربل بالعار.
يصطدم هذا العامل بذاك على دروب تئن من ضربات الأقدام المذهولة. يحلف بائع الخضار أغلظ الأيمان صادقاً حيناً وكاذباً في أغلب الأحيان. والمدرّس سلعة معروضة يروّج لها طالبٌ، ويلوّح بها آخر إلى عالم الغبار. يتوجّع العتّال من ثقل الحِملِ على ظهرِه. يشتم السّائق زبائنه البخلاء، وهو يدور بينهم، ينقّل حقيبة ممتلكاته، يداري بؤس قسوتهم، ويستمع لخادمة تلعن أصحاب البيت على غلظة قلوبهم وأذى معاملتهم، وتقسم أنّ ثروتها ذراعاها وهم يسعون لامتلاكها بأرخص الأسعار.
يفتحّ حقيبته لإخراج منديل ورقيّ، وهو يسير بخطوات آلية بين غيره من المرهقين، يصدمه عامل بناء ، فيتسخ قميصه الأنيق، يتأفّف متوجّعاً: لقد فَقَدَ آخر ما تبقّى من ثروتِه الخارجيّة. يحتمي بظلّ شجرة، ويشعل لفافته، تئنّ الرّوح من حفظ العناوين، ويألم الجسد وهو ينتقل من بيت لآخر: مندوب دعاية؟...لا... عامل خدمات منزليّة؟ ... لا... عامل توصيل بضائع المحلات؟... لا...
تحرقه غُصّة شهادة عليا جعلته يعمل مدرّساً خصوصيّاً.