السر وراء الرائحة الكريهة للقدمين

السر وراء الرائحة الكريهة للقدمين 143936744311.jpg



لا تسبب الرائحة الكريهة للقدمين الحرج فحسب، لكن معرفة السر وراء ذلك يمكن أن ينقذ حياة الكثير من البشر. ديفيد روبسون يغوص في عالم النظم الأيكولوجية لأصابع قدميك.
وتستطيع رينيت سموليغانغ التمييز بين الروائح المختلفة للقدمين، وقادها هذا الاهتمام إلى دراسة هذه الروائح الكريهة. تجمع سموليغانغ في بعض الأحيان جوارب مستعملة من النايلون بعد أن تكون قد تشبعت بالروائح.
وإذا لم تكن الرائحة قوية بشكل كاف فإنها تطلب من الناس أن يفركوا أقدامهم على كرات زجاجية ثم يمسحوا ما نتج من عرق على السطح. وعندما تريد أن تتقن الاختيار، فإنها تضع القدم في كيس من البلاستيك، حتى تستطيع جمع الرائحة في كمية من الهواء.
لا يعتبر هذا العمل مريحاً على الإطلاق، لكن سمولغانغ لا يقلقها أبداً هذا الرائحة. وقد أخبرتني بأن المسألة "أهون مما نتوقع، ومن وجهة نظري هناك روائح تنبعث من أشخاص أفضل من روائح أخرى تصدر عن أشخاص آخرين".
ولا يشعر جميع الأشخاص بالانزعاج من الرائحة الكريهة. ربما تضع سمولغانغ يدها على أنفها بسبب تلك الرائحة الكريهة، إلا أن هذه الرائحة تعتبر نقطة تحول في موضوع دراستها حول البعوض الحامل للملاريا.
ولهذا السبب تعكف سمولغامغ على محاولة العثور على الوصفة الفريدة التي تسبب الرائحة الكريهة لأقدامنا، في إطار سعيها لوقف انتشار هذا المرض القاتل.
وبغض النظر عن درجة نظافتك، فان انبعاث رائحة ولو خفيفة أمر حتمي إذا أخذنا بعين الاعتبار التركيب التشريحي للقدم، فالقدم العادية تحتوي على 600 غدة عرقية لكل سنتيمتر مربع، أي أكثر بعدة مئات مما تحتويه منطقة الإبط. وتفرز هذه الغدد الأملاح والغلوكوز والفيتامينات والأحماض الأمينية التي تزود مجموعات الباكتيريا بالغذاء المناسب.
وفي مقابل هذا الغذاء، تفرز البكتيريا خليطاً من الأحماض الدهنية التي تسبب جميعها انبعاث الرائحة من القدمين.
ويعيش في أقدامنا عدد كبير من البكتيريا لدرجة حيرت علماء الأحياء المجهرية في أن يعرفوا على وجه التحديد ما هي الأنواع التي تسبب الروائح وفي أي جزء من القدم تعيش.
وبتواضع جم، قام جيمز رينولدز من جامعة لوفبرا وزملاؤه بمحاولة الإجابة على هذه التساؤلات برسم خارطة البكتيريا التي تعيش في أقدامهم أنفسهم.
وقد حددوا خمس مجموعات من البكتيريا أكثرها نشاطاً هي "المكورات العنقودية" أو Staphylococci. وقد اكتشفوا أن تواجدها يتزامن مع وجود حمض كيماوي قوي اسمه حمض الايزوفاليريك، الذي له رائحة كريهة قوية، بحيث أن قطرة واحدة منه تملأ المختبر طوال اليوم.
وهذه البكتيريا موجودة مع هذا الحمض في باطن القدم وليس على جزئه العلوي، وموجودة بأعداد أكبر حول منطقة الكعب مما يفسر لماذا تعتبر هذه المناطق هي الأقوى رائحة. ويمكن مقارنتها بالجبن، إذ أن كثيرا من أنواع الجبن تحتوي على خليط مشابه من الكيماويات المتقلبة، وأقرب أنواع الجبن التي تنطبق عليها المقارنة هي جبن ليمبيرغر.
يقول رينولدز: "إذا عرفنا ماهية هذه المركبات وما هي الكائنات التي تنتجها، فبإمكاننا صناعة ملابس تمتص الرائحة أو تعمل على تحييدها."
ومن الممكن أيضا أن يقودنا ذلك إلى اكتشاف مزيلات أفضل للروائح الكريهة، لكن المهمة ستكون صعبة، فإلى جانب البكتيريا التي تعيش في أقدامنا، هناك كائنات عضوية تحمي من الإلتهابات والعدوى. لكن دائما ما تزخر الطبيعة بالإجابات، فقد وجدت دراسة يابانية حديثة أن ثلاث مواد كيماوية موجودة في الحمضيات يمكنها المساعدة في القضاء على البكتيريا دون الإضرار بغيرها من الكائنات العضوية.
وفي بعض الحالات، تشكل رائحة القدمين الكريهة خطورة أكبر من مجرد الإحراج، إذ يمكن أن تكون مسألة حياة أو موت. وقد كان العالم الهولندي بارت نولز من الأوائل الذين لاحظوا أن أنواعاً معينة من البعوض الحامل لمرض الملاريا تنجذب إلى الروائح المنبعثة من أقدامنا. وقد شجعت اكتشافاته سمولغانغ على القيام بعدد من الدراسات الحديثة في جامعة فاغينينغين في هولندا.
فقد وجدت على سبيل المثال أن طفيل الملاريا يعدل من حاسة الشم لدى البعوض بحيث تصبح البعوضة أكثر انجذاباً للأقدام التي تنبعث منها الروائح الأقوى وتحط على الجوارب الملبوسة كما يحط النحل على حوض الزهور.
وهناك أدلة على أن بعض البروتينات في رأس البعوضة تتغير بطريقة ما وأن لها دور في حاسة الشم لدى البعوضة. إنها آلية غير مباشرة تقود البعوضة إلى لدغ ضحيتها. لهذا السبب تعتبر البعوضة ناقلاً فعالاً للملاريا.
وهذه المعرفة يمكن أن يكون لها أثر كبير في مكافحة الملاريا بأكثر من وجه. أجرت سمولغانغ بعض التجارب حول ما إذا كانت البكتيريا المنتجة للرائحة على الأقدام يمكن أن ثؤثر على فرصة تعرضك للدغ من البعوض.
لذا فإن الجهود المبذولة لمكافحة هذه الأنواع من البكتيريا يمكن أن تؤدي إلى وقاية أفضل من هذا المرض القاتل.
من ناحية أخرى يمكن أن تستخدم الرائحة الكريهة كوسيلة للإيقاع بالبعوض والقضاء عليه. وتتمثل إحدى هذه الأفكار في إقامة فخ للبعوض من الجوارب المستعملة، وهي التي تحتفظ بجاذبيتها للبعوض لمدة 8 أيام بعد استعمالها. وقد وجد نولز أن هناك وسيلة أخرى يمكن أن تستخدم في جذب البعوض وهي جبن ليمبورغر.
وتأمل سمولغانغ في تعليب الرائحة مستخدمة حمض ايسوفاليريك ومركبات أخرى لإنتاج الرائحة الكريهة. وتقول: "الجمع بين هذه العناصر مهم جداً. بشكل عام يعتبر الخليط أكثر فعالية من الرائحة الواحدة". ومع ذلك فقد تحتاج إلى وصفات مختلفة لأنواع مختلفة من البعوض التي يكون لكل منها تذوقه ومزاجه الخاص.
من غير الواضح بالضبط إلى أي حد ستكون هذه الإجراءات فعالة في الحماية من الملاريا. يحاول فريق من العلماء موجود حالياً في كينيا معرفة ما إذا كان الفخ المنصوب يمكن أن يقتل البعوض أو يقلل من العدد الإجمالي للإصابات أو اللدغات.
على الأقل، يمكن ان تستخدم هذه الوسائل كمنبهات أولية لمعرفة ما إذا كان البعوض الحامل للملاريا يتكائر في المناطق القريبة.
بالنسبة لغالبيتنا، لا تعدو الأقدام التي تنبعث منها الرائحة الكريهة أكثر من مسألة إزعاج وإحراج يمكن التغلب عليها مؤقتاً بالاستحمام، لكن ما قامت به سمولغانغ من اكتشافات تستحق أخذها بعين الاعتبار كلما انبعثت رائحة كريهة من قدميك. كل ما تقوم به من عمل يتمثل في جمع الجوارب المستعملة وشم الروائح المنبعثة من الأقدام وغير ذلك مما نشمئز من فعله بهدف إنقاذ حياة بشر كثيرين، وهي مهمة لا يمكن الاستهانة بها على الإطلاق.