تعالى بكاء "نوران" لتلك الذكرى العابرة وشعرت بشوق شديد لأبيها، طوال عمرها لم تشعر أنها هشة وضعيفة إلا بعد أن فقدته. دائما كان الدرع الذي تحتمي به من الأيام والآن صارت في مهب الريح تتقاذفها كيفما تشاء. ناجت أبيها الراحل هامسة:
غيومي طال مكوثها يا ابي. حياتي لم يعد فيها إلا غيوم متواصلة لم يعد فيها أي نور ابدا .. يا ترى هل سوف تبقا لغيوم طامسة كل شيء حولنا هكذا للأبد؟ الم ياتي يوم وابصر فيه النور من جديد؟
ثم خرجت تجول في أنحاء المنزل الذي ساده صمت تام وبرودة في جميع أركانه دون هدى. شعرت بمدى وحشة أن يكون الإنسان وحيدا في هذه الدنيا! يحسدها الجميع على إستقلالها المادي وحريتها كما يصفونها، لكن ماذا يعلمون حقا؟ هل يدرك أحد مدى حاجتها ولو لظل إنسان يهديء من روعها ويد تربت على كتفها وتطمئنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام؟ هل يدركون أن الوحدة التي تحرر الإنسان من قيود المسؤولية عن غيره هي نفسها التي تكبله بأغلالها عندما ينظر حوله فلا يجد سوى ذراعيه يلفهما حوله ليستمد الأمان من نفسه لنفسه؟