رصيف الانتظارِ شمسُهُ حارقةٌ، لكنّ سياطَها تتلاشى على عتباتِ الشّوقِ، والصّبيةُ يقفزون حول آبائهم يترقبون أوبةَ العمّ من بلادِ النّفطِ، ذاك العمّ الذي تردّد اسمه من غير أن يروه، فسنوات الحرب العجاف جعلت الذّعر يسيطر علىأولئك العاملين من العودة إلى أوطانهم للتنعم بما كسبت أيديهم من رزق البلاد الثرية، وما عاد يزور الوطن إلا مغامر أو مقامر.
يتصايح الصّغار وفي مخيلة كلّ منهم صورة جميلة ترسمها مطامعه الطفولية بذاك القادم. وصل الرّكب.ترجّل العم وبيده حقيبة سفر صغيرة، صافح إخوته ببرود، وعيناه تنأى عن الصّغار الذين حاول الآباء التّعريف بهم.لم يسأل عن أحوالهم في أيّام الشّدّة،فالذي لم تصله رائحة الدّخان لا يأبه بالحريق في أيّ بيت كان.
صاح باشمئزاز: الجوّ حار. أحتاج إلى حمّام لتبديل ملابسي قبل الوصول إلى مكتب المحامي.
تبادل الصغار نظرات الاستغراب:
- هيّا لنتابع اللّعب على رصيف البناء. قالها الأوّل بامتعاض.
ردّ الثّاني:
- يا له من رجل بخيل وسمين!
- تبرم الثّالث، وهو يداري دمعة غيظه: أمي تنتظرني، ستأخذني إلى السوق لشراء الكثير من الهدايا.