تنهد الشّابّ نامي يا جدّتي! فالأصحاب على الشّابكة بانتظاري.
تأوّهت بانزعاج: النّوم يجافيني. اِروِ لي حكاية تسعد قلبي، وتقرّ بها عيني.
ضحك الشّابّ: مستعدّ. لكن من غير أن تقاطعيني.
تمدّدت العجوز في سريرها، سحبت الغطا، وأشارت له أن يبدأ.
اتّكأ قربها، وأصابعه الحنون تداعبُ خصلات شعرها البيض:
كان يا مكان في قرية بلا عنوان في كلّ زمان شاب يرعى لأهل القرية الأغنام، يعزف له أجمل الألحان، يسرح بأحلامه في المروج وبين السهول وأعلى التلال. أصابه السأم من قرية تنأى عنه، وتعيش حياتها الوادعة فأهلها الطيبون يختلفون، ولأتفه الأسباب تعلو صيحاتهم وسرعان ما يتصالحون، وهو وحيد في البراري الشاسعة، ضاق صدره، صرخ يستنجد بأهل القرية : يا ناس جاء الذئب، وسيأكل الأغنام، هبّ الشيوخ والشباب ، الصبايا والنساء لمؤازرته ودفع الخطر، وجدوه أعلى التلة يضحك من الخوف في عيونهم والوجل في خطواتهم، وأخبرهم أنه يتسلّى. تلقى ملامة كثير من الشّيوخ، وشتائم ثلّة من الشّباب، على حين تلألأ الإعجاب في عيون قلّة من الصّبايا، وعقدت الدّهشة ألسنة بعض الشّباب: يا له من ذكيّ ونشيط استطاع تحريك المياه الرّاكدة!
عادت الصّبايا إلى بيوتهنّ متمهلات يستذكرن منه الحركات والنّظرات، وكلّ منهنّ تنسج بيت عنكبوت تحبسه فيه معها. على حين التفّ حوله مَنْ تبقّى من الشّباب يسبغون عليه المديح لفطنته ونشاطه.
أمضى أهل القرية ليلهم يقلبون الخبر، وفي الصّباح تناسوه.
أيّام والصّراخ يعلو: الأغنام تعاني من التّسمّم أنقذونا. ركض أهل القرية من جديد ليجدوا الرّاعي ومعه أكثر من شابّ يؤيدونه فيما يقول.
انقسم الأهالي من جديد، وارتفعت أصوات الشّتائم من جهة وضحكات السّخرية من جهة أخرى ليبقى عدد أكبر من الشّبان مع الرّاعي يتعلّمون منه، بينما سعت بعض الفتيات لتلقى كلّ منهنّ صاحبها بعيداً عن أعين الرّقباء. وراح الأطفال يلعبون لعبة الرّاعي والأهل مشغولون بتحليل الأحداث والتنبؤ بالمستقبل.
أيّام وصراخ يعلو من الجهات الأربعة: المحصول يحترق. توزّع السكان في كلّ اتجاه، وفي يد كلّ منهم زجاجة ماء لإطفاء حريق لم يشمّوا رائحته ليجدوا ثلّة من المتدربين على يد الرّاعي يضحكون من الشّيوخ والنّساء، وفي كلّ زاوية معتمة تخلو صبيّة بشابّ مطمئنّة إلى أنّ الكلّ مسربل بعار ضعيف أو كذّاب.
اختنقت كلمات الشّاب في حلقه. غفت الجدّة و على أهدابها دمعة تشتاق عيداً للصّدق، عيداً للقرية.