خرجت من غرفتها تتثاءب بكسل، همّتْ بالدخول إلى المطبخ ،حين لمحته جالسا على طرف الأريكة بسكون، جحظت عيناها من هول المفاجأة وأشرق وجهها،صاحت بفرحة طاغية:
_يا إلهي ،أكاد لا أصدق عينيّ ..متى عدت؟
نظر إليها ببطء وصمتٍ وعاد يحدق باهتمام في شاشة التلفاز،هرعت إليه وجلست إلى جانبه تتفرس في ملامحه،هتفت بصوتٍ متهدج :
_تبدو بحال جيدة،وجهك مفعم بالحيوية ومشرق و..
توقفت عن الحديث للحظة ،أطلت على وجهه ،أمسكت ذقنه وتطلعت إلى عينيه،،سألته بلهفة وحنان :
_لقد تعافيتَ ،بكل تأكيد،،ماعادت عيناك غائرتين،ولا يبدو وجهك شاحبا وذابلا..أولئك الأطباء ماهرون حقا..
طرفت عيناهُ مرة واحدة،دون أن ينبس بكلمة،تضايقت زوجته من صمته، نظرت هي الأخرى إلى الشاشة المسطحة ..كتمت غيظها وهمست لنفسها :
_شريط وثائقي ممل..لكنه النوع المفضل لديه..
لا تريده أن يغضب منها أو يحتد عليها،لذلك ستتركه يرتاح قليلا، ضغطت على يده بحنان وقالت :
_تبدو تعبا وجائعا،سأعد لك وجبة شهية وحساء الخضر،أنت الآن في فترة النقاهة وتلزمك الكثير من العناية.
أومأ برأسه موافقا دون أي تعبير على وجهه..
ابتسمت بسعادة ودخلت المطبخ، شرعت في تقطيع الخضار ،توقفت بغتة وأطلت عليه خلسة،وفكرت..يبدو غريبا وهادئا أكثر من المعتاد،لقد عانت الأمرّين بسبب حدة مزاجه وعصبيته،صار يثور لأتفه الأسباب حين تشتد عليه الأوجاع ،لكنها تلتمس له العذر،وتحزن كثيرا حين يهتف بعبارته المؤثرة تلك وهو يرفع رأسه إلى السماء:
_لا أحد يعلم حجم ما أعانيه سوى الله..
عادت تستأنف عملها من جديد وغمغمت بخفوت :
_الحمد لله ،أنّ كل هذا قد مضى، وأنه استعاد عافيته أخيرا..
تطلعت إلى الساعة في أعلى الحائط وهمست :
_الأولاد سيعودون بعد ساعة،،يا إلهي سيفرحون حقا وستغمر البهجة هذا البيت،بعد الأسى الذي خيم عليه لشهور..
عادت تطل على زوجها ثانية،همت بالحديث إليه،تراجعت مرة أخرى،اعترتها حالة من الاضطراب والتردد،
عجّ عقلها بالعشرات من الكلمات، كأمواج متلاطمة في بحر هادر..
غرقت في تأملاتها بينما أناملها المدربة تعمل بحنكة ومهارة ..لقد غاب طويلا وحين عاد لم ينطق بكلمة بل الأدهى من ذلك سكونه العجيب،أما أنا فأشعر أن نهرا متدفقا من الكلام يكاد يُغرقني ولا أستطيع الصبر والصمت ولو لدقائق،لكن لا ضير من الانتظار قليلا ريثما يستريح..ثم أخبره أننا افتقدناه بشدة..وأن البنت لا تفتأ تعبر عن اشتياقها إليه بكتابة عبارات حزينة وتزينها بقلوب صغيرة على جوانب اللافتات ثم تعلقها على جدران غرفتها..
سأحدثه عن الصغير الذي لا ينفك يسأل عنه،ويعدّ الأيام بأصابعه ويزيد ثم ينقص حتى يملّ من العدّ ،وحين يخرج من المدرسة يلتفت يمنة ويسرة ويراقب رفاقه وهم يرتمون في أحضان آبائهم،ثم يتجه نحوي وبصره لا يزال عالقا بهم.وكثيرا ما يرفع يديه إلى السماء ويدعو له بالشفاء،ليفي بوعوده ويسعده بتلك المفاجآت الصغيرة كما عوّده دوما،وسأخبره أن الكثير من الأشياء تغيرت في غيابه،وأنه لا أحد يسأل عنّا أو يهتم لأمرنا ..
أحسّت بألمٍ مرير يمزق نياط قلبها،وترقرق الدمع في عينيها،،تابعت تفكيرها بلوعة..
أما أنا،فقد كابدتُ الهمّ والألم مما جعل الإحساس بالضآلة والانكسار يهيمنُ عليّ منذ ذلك الحين..
سأحدثه عن كل شيء ولن أنسى شاردة أو واردة ..كما أنه بالتأكيد لديه الكثير والكثير ليخبرني به..
شردت للحظات وانتفضت بحدة،،قطبت حاجبيها وغمغمت بانزعاج :
_ولكن مهلا..لماذا كل هذا الغياب؟ لماذا لم يعد يسأل عنا؟ ولماذا هو هادئ هكذا؟ ولماذا كل هذا الصمت الغريب؟
هناك خطبٌ ما ..شيء ما ليس على ما يرام.. شيء ما مريب فيما يحدث...هذا الغياب،،هذا السكون..هذا الغموض..
امتدت يدٌ غضّة تهزها برفق :
_ماما..لقد رن المنبه طويلا،وأخشى أن يفوتنا الوقت !
فتحت عينيها بتثاقل،حدقت في الغرفة للحظات..التفتت إلى الجانب الآخر من السرير..وأدركت كنه ذلك الغموض ،وعرفت سر ذلك الهدوء..
لم يكن الأمر يعدو أكثر من كونه زيارة خاطفة للمرحوم ، بعد عدة أشهرٍ على رحيله.