ينشد السّأم ترانيم جنائزيّة تلقي بالرّوح في بحر العدم والسّيّدة أم عبدو ترقب بعين الوجل ما يجري على أرض وطنٍ تفنّنت حراب الكون في طعن أولاده، وإلقائهم في لُجّة لا يعرف أحد لها قرارا ولا يجيدون منها الفرار.
سحبت فنجان قهوتها المنسيّ تحت الكرسيّ القريب، وطفقت تتأمّل خطوط اللّوحة التي ترسمها بقايا القهوة الجافّة على الجدران البيضاء، راقت لها الشّبكة الغريبة المرسومة بعبثية الدّحرجة على الأرض، استعانت بخيال طفولتها الجامح فرأت في المسارب البيضاء فرجاً يقفز فوق الخطوط السّوداء التي بدت في عينيها مصاعب تعترض غداً يسعى المرء لصنعه.
جرت أفكارها سيل كلمات أمام الجارات، فصارت مقصداً للنسوة وجلساتهن الطويلة بأيديهن الفارغة من أيّ عمل في البيوت المتجاورة بعد أن حُرمن سرور الزّيارات المتباعدة والسّهرات الطّويلة في المقاهي والحدائق العامة، بعد أن خسرن متعة العودة إلى البيت متأخرات في بلد يحكم الرّعب أزقته فالهارب من الموت يناله خاطف طامع بالمال بأعضائه البشريّة.
حرصت النّسوة على توزّع أعباء ثمن القهوة في وطن ماؤه العذب رفاهيّة، وكهرباؤه ترف ونعيم يحسد عليهم، واجتماعهم كلّ حين في بيت حلم صعب المنال ، لذا تَرَكْن لأمّ عبدو منصّة الكلام لتدير الجلسة بذكائها الفطريّ، وتقنع بقصصها نسوة نلن حريتهنّ بالوصول إلى باعة سوق الخضار يساومن، يجادلن، يوفرن بضعا من الليرات، ويحملن أكياس القوت اليومي ، ويقدمن لرجل يؤمن بأنه ربّ الدّار كلّ ما يطلب بعد أن غدا الذّكر عملة نادرة زمن الحرب والدّمار.
ساعدتها الآه التي تكوي جوفها على أن تروى آهة الضعيفة من زوج يجعل البيت ساحة حرب كلما دهمه الغضب وعلى الكلّ أن يتوّجه بإكليل الغار .
أوجعتها نظرة الانكسار في عيني صبيتها التي ترنو إلى أترابها وهنّ يحملن أولادهن، ويروين أحلامهن عن بيت و زوج، و تلتقط أذناها ضحكاتهن الرنانة ونكاتهنّ الماجنة ، فرسمت في فنجان كلّ صبيّة ثوب زفاف و عريساً قادماً بعد إشارتين قد تكونان يومين... أسبوعين... وهي تدرك أنها قد تغدو عقدين، وربما تكذب الإشارات ، وتصطفّ الفتيات أرتال عوانس يرقبن الحياة من بعيد.
ينزف الدّم من قلب يئنّ، ويسرح فكرها خلف ابنها، فوطن الحنان غدا صقيعاً بلا أمان مما جعل الشّباب أسراب طيور مهاجرة تبحث عن الدّفء في بلاد حرّها صقيع للقلب والوجدان.
تسأل ذاتها و ما من جواب عن نظراته العسلية، عن قامته الممشوقة :هل ذاق سمك البحر طعم الملوحة في لحمه أم التهمته كلاب البراري الضّالة؟
تستنطق الرّفاق رغم صعوبة الوصول إليهم عن فلذة كبدها: أهو فوق الأرض أم تحتها؟ وما من كلمة تبلل أشواق حلمها المخنوق في مستنقع الطّين، ولا رنين جوال يرطب قلبها.
تعد الأمهات بأن أولادهنّ المغيّبين سيعودون بعد أن يتجاوزوا العثرات المرسومة بالسواد في الفنجان.
تخرج الزّائرات مستبشرات بتحقيق الأمنيات، باقتراب فرح ضاقت كوّة النّور التي يتسلل منها، ونأت عنه أنظار المحروقين بلهيب لا يرحم. تودعهن ضاحكة، تصدّق تفاؤلهنّ، وتعود إلى فنجانها تستنطقه خبراً عن موعد أوبة ابنها.