ـ قرّر علاء الدّين أن يرحم أذن المارد من الطّنين، ويكسر جرس الرنين، ويفتش عن وسيلة لمساعدة البائسين على الارتفاع من مستنقع الضياع، ورصيف الجياع، وعلى الارتقاء من قاع العدم إلى قمة الهرم ، فالإنسان هو المخلوق المكرّم لذا ذهب إلى المدرسة القريبة علّه يحظى بالبشرى السعيدة التي تطمئنه على أن مستقبل الإنسان ستكون الحياة فيه رغيدة. ما إن وصل
وتلفّت حوله على عجل حتى أصيب بالوجل ثم الإغماء، تبرّع الشباب بنقله وهم يتبادلون الشتائم البذيئة والنكت المسيئة. تحمّل الوجع وقام رغم التّعب ليُصدم من جديد فالمنقذ في القمقم تعجبه حياة العزلة، استغاثه بصوت متقطّع :
ـ يا أيّها الصّاحب ! إني عليك عاتب فأنت لا تأبه لأمري رغم كثرة المصائب .
طرق أذنيه صوت النحيب من القمقم الغريب :
ـ يا علاء الدين !يا نعم الصّديق ! أنت إنسان رقيق. يا صاحبي الصّدوق !إني عليك شفوق كيف اقتربت من ميدان التعليم ؟ إنه مثلث العذاب السقيم ، وربك وحده بمساوئه عليم .
أضلاعه متنازعة وعن تحمل المسؤولية متراجعة، وعلى الرّبح الماديّ والقيم النبيلة متصارعة.
أرثي لحالك يا صاحبي! يا مَنْ دخلت الدّهليز العتيم، واكتشفت الواقع الأليم الذي تاه فيه عقل الحكيم. فَسواد الجيل سعيد بالاستهتار، مشغول بصرخات العصر من غير أن يأبه إن كانت تحمل له الفخر أو العار، مهمل غير آبه بحالات الانكسار، يسهر اللّيل نبّاحا، ويفرّ من الاستيقاظ صباحاً، ولا تسمعه إلا نوّاحا، وللمدرّس قدّاحا، وللدّروس الخصوصيّة مدّاحاً، وإن ألزمته الأمّ بالذّهاب إلى المدرسة تراه على باب ثانوية البنات، وبالزيت دَهَن الشّعرات، ترقص بين شفتيه لفافة تبغ، وبين أسنانه لبانة مضغ، يلعب بالجوال يُواعِد هلا وعُلا، ويسخر من ساما وراما.
آهٍ يا صاحبي أمّا عن الطالبات فعذراً من الملتزمات لأنّ ألمي من المتسيبات فهن عن الحصة الأولى دائماً متأخرات وعلى الطريق لاهيات، بكحل العيون مشغولات، بالبحث عن صاحبٍ مسرورات. يبادلن الغمزة بالغمزة و يصدحن برقم جوالهن للشّاب قبل أن يقرع على أسماعهن الباب .
والصبيّةُ مثل الشاب كلٌّ منهم يستعين بالمدرس الخصوصي متى أراد، وبزعمه سيحقق له المراد ،ويُلزم أهله بثمن الدروس، وهو على عتاب الضياع يدوس، وكلّ العجب بالطالب يأخذ من أهله المال ، ويصرفه في كل مجال إلا ميدان التعليم، و إن رسب يرمي بالملامة على المدرّس، ويعده بحساب عسير في القيامة، و يشتم مدرساً آخر لم يدخل له بيتاً، ولم يسمع منه نصحاً ،و لا يعرف له درساً.فإن خرجت من قمقمي لا أستطيع إلا أن أرميه في حاوية القمامة وأدعهم يحرقونه من غير ملامة .
أما المدرّسُ الهمام فهو مظلوم إذ ليس به الغرام لأنّه يدفع الطّالب الجاد إلى الدّوام فيزعج زملاء التّسرّب وكارهي الالتزام، فيتلقى الشّتائم والصّفعات من زملاء الصّفّ و الإدارة، ممن لهم بالمقاهي كلّ غرام، وتسعدهم حفلات الطّعام، فيسعون نحوه بالانتقام، ولإنزاله إلى قاع محيطهم، ليأمنوا على حياتهم أنّها الصّحيحة وأنّهم نِعم الأنام، ويتناسون أنّهم يعيشون حياةً تأنف منها الأنعام. فهل بربّك عيّ أن أقنعه بالتّخلي عن الالتزام أم أصبّره على الأذى بالكلام؟
أمّا المدرّس الذيّ باع الذّمّة والضّمير فهومهما اغتنى فقير تراه في الصّفّ ثرثارا، يذمّ غباء الزميل فلانا، وقلة ضمير فلانا، فيضحك عليه الطلاب ألوانا، ويشكو غلاء الأسعار، وبؤس العقار، ينفر الطّالب الجاد الذي يعرف أن العلم هو المراد، وأنّ الصّفّ ليس قاعة مزاد للوضع الاقتصاديّ للعباد. أما بعد الدّوام فهو الرّجل النّشيط تراه يقفز كالفهد من حافلة إلى حافلة حاملا حقيبة كتب، ويزهو بدرس فيه كلّ العجب يشرح المقرّر بإتقان، ويتباهى كيف يوصل الطّالب إلى العلامة ببراعة فنان، وعندما يرنّ جرس الجوّال يَسكت عن الكلام المباح، ويعود إلى النواح وهو يقوم مسرعا إلى بيت آخر ، وطالبٌ يفتح له الباب، وآخر يتسلى بإيقافه طويلا قبل أن يرد عليه بالقبول الجواب. فهل أخرج لأصفق لأعماله المجيدة أم لأسخر منه على هيبته التي أضاعها رخيصة؟
والمدير حائر في التّدبير لا يعرف للأمور دقّة التّسيير فهذا يهدّد وذلك يتوعد، وهذا أمين وذاك لصّ ذميم، وطالبٌ مجدّ بالعلم راغب، وطالب كسول يحلم على متن بساط السّرقة بأعلى المناصب. فهل أنصحه بالسمو أم بالانحدار أم عليّ أن أجد له حلاً في وضع لا يخطر أذاه على بال؟
أمّا الامتحان فــ.... بكى المارد المقهور بحرقة، وتابع رغم الأسى والمرار: الامتحان يا صاحبي يشكو الهوان إذ غدا ملعب البنات والصّبيان، لا احترام ... لا تقدير... لا إحسان، وكلّ شرير فنان، وكلّ مهذب خلوق حيران، والقاعات سيرك الذّئب والحملان. فالطالب الكسول يدخل إلى القاعة مسرورا، فرح بالدرجات التّامة قبل أن يرسم اسمه على الورقة علامة ، يحمل مصغّر الكتاب، وسمّاعة الأذن ، وبيده جوّال يحوي كل برامج المحادثة. فهل أخرج من قمقمي وأقبل بمهمة إيصال الإجابة إلى ذلك الولد أو تلك الشّابة عند انقطاع الشّابكة؟
والأهل يا خسارة ظنوا الشهادة فوزاً بالتّجارة، فترى الأمّ تتدلل لأحدهم والأب يتذلل كي تمرر لفلذة كبدهم الإجابة يتجاهلون أن الولد تعلّم السّير على درب اللّصوصية، ويمنون النفس الرديّة بأعلى مجموع لابنهم المستهتر الخائن وابنتهم الحرامية إذ لم يعد هناك حرمة تمنع السّرور بكلّ المخالفات الشرعية والقانونية. وهدفهم أن يحجزوا في كلية الطب للولد مقعداً. فهل تريدني أن أعيد تربية الآباء والأمهات؟ وكيف لي ذلك؟ أعترف أنني عاجز.
و يا حسرة على المراقب إن كان حازما فيجب أن يكون عن الكلام صائما ، أمّا إن رضي أن يكون المتسيب المهزار فهو سيغدو مفتاح السرور لكلّ الأشرار. فبم أنصح ذلك الصامد؟ وبم سأعده إن لم يكن موقناً أنّه مجاهد؟
لم تريدني أن أخرج يا علاء الدين؟ هل أشعل النار في أوراق الامتحانات؟ وعندها سأظلم ذلك المجد المثابر الذي وضع في أذنيه القطن كيلا يسمع الفوضى، ذلك الثبت الجنان على قسوة أخيه الإنسان، ذلك الصّبور على ريح الغدر تعصف في كل مكان وتجعل الغبيّ يصدق أنّه الفائز بلقب إنسان؟ أحيي ذلك الشاب وتلك الشابة الذين أجهدوا أنفسهم بكتابة إجابة حفظوها، وتعبوا في تحصيله و لا أملك إلا الدّعاء بالتوفيق لهم.
يا علاء الدّين! مارد هذا القرن طوفان نوح بتصرف أن يأخذ كل مسيء للقانون محرّف، ويمنح المتعب سرورا، ولكن ليس لنا أن نسيّر للبشر قدرا بيد ربّ قديرا.