لم يدخل اليأس قلب علاء الدّين من إثارة الحميّة في قلب صاحبه الأمين كي يُحرّره من قمقمه اللّعين و يدفعه لمساعدة الكثير من الأبرياء المحرومين، و بسطوته يكفّ أذى الآثمين.
ركب الحافلة ليتعرّف على معالم جديدة علّه يُسرّ بمواقف سعيدة، لكنّه وجد نفسه محشوراً في علبة مع ركاب يعانون من قسوة الزحمة، وسائقٌ كلماتُه لا تعرف التّهذيب ولا الرّحمة.
تنفّس الصّعداء وهو ينزل ليضيع في السوق بين البؤساء تزكم أنفه رائحة العرق، عفونة المجاري، ودخان الشّواء كاد يختنق من شدة العناء، فرّ إلى زقاق فرعيّ علّه يحظى بإنسيّ يمنحه شربة ماء بارد، وقرّر الإلحاح على المارد كي يواجه بعض هذا الطوفان الجاحد:
هيّا يا ماردي الحبيب! أنت لي نعم القريب ولهؤلاء الحزانى أنت المخلّص الحبيب. قم معي ، وخذ ما تبقى من عمري فداءً للحظة راحة في دنيا تطحن رجال البشر برحاها.
ردّ المارد بصوت خافت: يا علاء الدّين! ألا تعرف الكفّ عن هذا الضّجيج والأنين؟ سأخبرك إن غامرت وخرجت بمن سألتقي من هؤلاء الرّجال:
- الزّوج غاضب من غلاء الأسعار، أو من إهانة تلقاها ولم يستطع الرّد عليها، يستعرض جبروته على زوجة مقهورة ، يشتم أمها وأباها، و لا يتورّع عن ضربها وسبّ خالقها الذي سوّاها، لا يعرف الحوار، و لا يجيد تسيير شؤون الدار ، تندب حظّها ،وتدعو عليه بالبوار لتتفرغ لشؤون بيتها حتى لو استعانت بأسوأ جار.
- السّائق ألم تُسعد بلقائه، وشهدت عليه يدندن بغناء هابط ، وهو بلفافة تبغ هائم ،وعلى بحر الشارع بسرعة عائم لا يأبه إن سابق العصافير أو الحمائم. لا يحترم العجوز المقطوعة، ولا الحبلى الموجوعة ، ولا ذات الولد المفزوعة؟.
- بائع الخضار ألم يقرع أذنيك صوته العالي يصرخ و بأحد لا يبالي، وهو يجلس على أرصفة النّار يحترق بألسنة الشّمس، ويحرق المشتري بلهيب الأسعار.
- وصبيّ بائع الغاز ما رأيك برؤيته وهو يصرخ باعتزاز طائر هزاز، لن أدعو عليك بالرّكض خلف بائع المازوت الذي يكذب عليك، ويسخر منك متباهياً بذاته أنّه ربّ القوت؟.
- الطبيب و ما أدراك ما حال الطبيب إذا لم تدخل عيادته، وتملأ عينيك بصورته يرفع رأسه بزهو غريب، يصرخ في وجه الممرضة التي تبقى عن كلماته معرضة و متأففة من إزعاجاته المقرفة.
أ-اشكرْ ربّك لم تضطر إلى دخول مشفى، حيث يُصاب الموجوع وأهله بالأسى، يصرخ في وجههم المستخدم قبل المالك، ويبشرهم المحاسب بداء الهالك.
- ولك أن تسعد فأنت ليس عليك مدير لا يحسن التّدبير، و يجعل من نفسه عليك القائد الأمير، وهو لا يعرف السّطر الأوّل من الأخير اللّهمّ إلا الاهتمام بمصالحه، وإثراء أسرته، وسياسة التّخلص من كلّ مأزق خطير قبل أن يحلّق بجناحيه ويطير.
صاح علاء الديّن : اسكت يا مارد! صدّعْت رأسي بمنطقك المعاند، لكنّي مستعد لكلّ الحجج، فقد مررت على صيدلية واشتريت مسكنات وطنية بعملة أمريكيّة، تناولت قرصين وثلاثة و لا مانع لدي من تناول ثمانية وتسعة المهم أنّه ما زال لدي القوة لأسعى على طلب معونتك يا صاحبي أنت رائع تعال نغير هذا الواقع!.
تنهد المارد متحسراً: يا علاء الدّين تغيير الحال ليس بالأمر المحال لكنّه يحتاج إلى الرّجل النبيل الذي يقنع ولو بالقليل ، يهمّه السّتر الجميل والعمل الجليل الذي يعلي قدره في أسرته، ويرفع ذكره بين النّاس .يحترم أمّه وأخته، ويحرص على زوجته من إهانة، ويعلّم ابنته الكرامة، ويسقي ابنه من عرق الاستقامة، لا يقبل استلاب نقود النساء، يأخذه منهن ويسمو عليهن بالعطاء، و لا يرضى سرقة المال فهذا عنده محال، لا يقبل غصب الحقوق، و لا يُساهر كلب الحراسة لينام بعد الشروق.
اُعذرني يا صديقي غالبية مَن حولك مِن الذكور تنقصهم ثقافة الدّهور فهم باختيال الغباء يفسدون جُلّ الأمور، يسارعون بمن تولوا أمرهم إلى الثّبور، يبحثون عن جحور وعن ضحايا يمتطون أكتافهم لينالوا متعة الظهور، كسالى يحلمون بالبعد عن الجحيم ، و ينأون عن أرض عليهم إعمارها بالتعب لتغدو بالرضا جنّة نعيم . صغيرهم قبل الكبير يريد الحور العين ، يسعون إلى الخراب وفي زعمهم يفتحون لمجد الأسرة باب. دعني انقطع نفسي من الكلام. ارحمني حرام عليك حرام.