عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ..َ رأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَلْهَثُ عَطَشًا، كُلَّمَا وَرَدَ حَوْضًا مُنِعَ، فَجَاءَهُ صِيَامُهُ رَمَضَانَ فَاسْتَنْقَذَهُ وَسَقَاهُ وَأَرْوَاهُ .. " ، (( أخرجه الشجري، في ترتيب الأمالي الخميسية ، 1 / 383 ))


من فضل الله تعالى على الصائمين أن جعل جزاءهم من جنس عملهم ، فها هو الصائم إذا سقى صائما ؛ سقاه الله من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمأ بعدها . وها هو الصيام يأتى مدافعًا عن العبد فى قبره ويحول بينه وبين العذاب .
ثم ترى الصيام مرافقا للعبد عندما ينفخ فى الصور وفى يوم القيامة تجد أبوابًا أخرى من الخير التي يوضحها الحديث الشريف الذى معنا ، فها هو الصيام يغيث لهفة صاحبه وذلك عندما يظمأ الإنسان لشدة المشهد وصعوبته غير أنه كان يصوم أو أنه كان يطعم الصائمين عندئذ لا يجد إلا الصوم منقذًا له من هذا العطش الشديد ، فمن أظمأ نفسه لله تعالى كان حقًا على الله أن يسقيه يوم القيامة .
ألا ترى فضل الله تعالى فى فضل الصيام من إبعاد العبد عن العذاب ، قال فى رواية مسلم "ما من عبد يصوم يومًا فى سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً ) (( أخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الصيام ، باب : فضل الصيام فى سبيل الله ، رقم الحديث : 1153)) وفى حديث آخر:" من صام يومًا فى سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض " أخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير ( 7921) .
فكل هذه المعانى التى جمع الخير من خلالها للصائم تتجسد له يوم القيامة فى هذه الصورة البديعة التى تتلمس أركانها فى هذا الحديث الشريف .
وقد مدح الله تعالى أقواما ، فقال عنهم :
[تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)] [ السجدة ]
هل أدلك على نعيم لا يزول ، ولا ينفد ؟
هل فكرت أن تزرع نخيلا في الجنة حيث النعيم خالد لا يزول ، ولا يتبدل ، الأمر سهل وبسيط، بلا عجب أن تقول " سبحان الله العظيم وبحمده" ، فلك بكل قول نخلة في الجنة ، فاختر لنفسك عدد النخيل الذي تزرعه كل يوم ، فازرع أفدنة كيف شئت .

السمات البلاغية والأسلوبية :
1-الجانب الوصفى التمثيلى هو أساس بلاغة الحديث الشريف حيث يصف لنا صلى الله عليه وسلم حاله الرجل ، فنراه ( يلهث ) بالتعبير الفعلى ثُم نراه (عطشًا) زيادة فى العطش . هذا الرجل يسعى للنجاة وغايته أن يدرك ماء يروى به ظمأه فإذا هو متخبط كلما ورد حوضًا منع منه ، عندئذ يدركه الصيام ساقيًا راويًا مغيثا لهفته وراويًا ظمأه .
2-دقة التعبيرات وقوتها فكلمة ( يلهث ) تلمح من خلالها شدة العطش والبحث عن ماء ، و( كلما ) توحى لك بكثرة التردد على أحواض الماء و( منع ) توحى بالملائكة الذين يمنعونه من إيراد الماء ، وقوله : ( فجاءه ) نفهم منها سرعة إغاثة الصيام له إذا جاءه آخذًا بيديه إلى حوضه ، وذلك من خلال التعبير بالفاء الرابطة التعقيبية .
3-تتابع الجمل الفعلية فى قوله ( رأيت رجلاً ) ( يلهث عطشًا ) ( كلما ورد حوضًا منع منه ) ( فجاءه صيامه ) يوحى لك بجانب حركى عملى فى تصوير العلاقة بين المسلم والصائم يوم القيامة وبالدلالة على التحول من حالة إلى أخرى تبدأ باللهث ثم السعى والحث وتختم بالسقيا .
4- استخدامه الفاء مرتين فى الربط فى قوله :" فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه " للدلالة على شدة الاستجابة لحالته ، وعلى ارتباط فعل الشرط بجوابه " كلما ورد حوضًا منع منه فجاءه صيام رمضان " فكلاهما جملة فعلية فعلها ماض دلالة على الاتساق التركيبى فى الحديث .
5-وتلاحظ التنويع فى الجزاء تأكيدًا بقوله) فسقاه وأرواه ) فعبر بفعلين دالين على السقيا وأخذنا إلى دلالة أوسع فى أن امتناع المسلم عن الطعام والشراب يأتى جزاؤه من جنس عمله .

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا العَمَلَ الصَّالِحَ وَالرِّزْقَ الهَّانِئَ، اللَّهُمَّ كُنْ بِنَا رَءُوفًا، وَعَلَيْنَا عَطُوفًا، وَخُذْ بِأَيْدِينَا إِلَيْكَ أَخْذَ الكِرَامِ عَلَيْكَ، وَقَوِّمْنَا إِذَا اعْوَجَجْنَا، وَخُذْ بِأَيْدِينَا إذَا عَثَرْنَا ، وَكُنْ لَنَا حَيْثُ كُنَّا، اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ عِلْمَ الخَائِفِينَ مِنْكَ، وَخَوْفَ العَالِمِينَ بِكَ، وَيَقِينَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، وَتَوَكُّلَ المُوقِنِينَ بِكَ، وَإِنَابَةَ المُخْبِتِينَ إِلَيْكَ، وَإِخْبَاتَ المُنِيبِينَ إِلَيْكَ، وَشُكْرَ الصَّابِرِينَ عَلَى قَضَائِكَ، وَصَبْرَ الشَّاكِرِينَ لَكَ وَأَنْ تُلْحِقَنَا بِالمُخْبِتِينَ وَبِالْأَحْيَاءِ المَرْزُوقِينَ عِنْدَكَ.