عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: أَسْنَدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي فَقَالَ: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ـ قَالَ حَسَنٌ: ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ـ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ " (( أخرجه أحمد في مسنده ، 38 / 350 ))

الصوم سبيل إلى الجنات فقد قال الحبيب :"من ختم بصيام يوم دخل الجنة " . . ومن ختم عمره بصيام يوم ومات وهو صائم أو بعد فطره دخل الجنة مع السابقين الأولين أو من غير سبق عذاب.
فمن أصبح صائمًا وغدا مؤمنًا ، وجمع خصال الخير من " عيادة المريض وإطعام الطعام واتباع الجنائز " فقد وجبت له الجنة ، والصوم على رأس هذه الفضائل التى قال عنها الرسول الكريم " مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ قَطُّ فِي رَجُلٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ". أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه (2131)
ألا ترى أن فى الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى للصائمين ، وقد أعدت لهم وأدخلهم الله عز وجل الجنة عرفها لهم بعد أن أصلح بالهم .

ألا ترى الصائمين يقال لهم يوم القيامة " كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم فى الأيام الخالية" ولا تستكثر هذا عليهم ، فهؤلاء الصائمون تركوا طعامهم وشرابهم وشهوتهم لله تعالى يرجون الجزاء منه سبحانه ... ولا يخفى عليك أن من ترك شيئًا لله تعالى عوضه الله خيرًا منه .

ولا تعجب من هذا فمن ألِفَ الصيام فقد ألف طاعة الولى المنان ، ومن تبع الرحمن بالراء في رمضان ورجع إلى مولاه وترك هواه ، فقد أخذ مدد الرحمن ودخل فى معية المؤمنين بحرف الميم ، وها هو يضرب فى الخير مع حرف الضاد حتى يألف الصوم وقيام الليل مع حرف الألف وها هو يأخذ الأنوار والشرح والغفران مع حرف النون ، فتحول مع كل حرف إلى مرتبة إيمانية ... فطوبى لهم وحسن مآب.
ومن الصور العجيبة لتودد الله عز وجل لعباده وحبه لهم وحرصه على ما ينفعهم ، وعلى دخولهم الجنة ، تلك المنح والهدايا التي يرسلها لهم كل فترة ؛ لتكون بمثابة الأمل والحافز ؛ لتعويض ما فات والتشمير للحاق بركب المؤمنين السائرين إليه وإلى جناته .

السمات البلاغية والأسلوبية :

1-يؤسس هذا الحديث على جانب شرطى فيه تدرج وتتابع " تأمل من قال لا إله إلا الله ختم له بها دخل الجنة" ... تلاحظ الربط المباشر بين جملة فعل الشرط وجواب الشرط دون استخدام أدوات الربط ، والجملتان فعليتان :" من قال لا إله إلا الله .. ختم له بها دخل الجنة" ، إشارة إلى سرعة التحقق وتمام القبول من الله تعالى لمن مات على التوحيد .
2-ويستمر أسلوب الشرط معنا بالتقسيم ذاته فى حديثه عن الصيام فقال :" ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة " والشرط متتابع كذلك فى الجملة الثالثة : "ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنه " وتلاحظ هنا حسن التقسيم فى الجمل الثلاث ، فهناك أداة الشرط التى تتبع بجملة اعتراضية ثابتة فى الجمل الثلاث وهى قوله :" ختم له بها دخل الجنة "وتلاحظ أن قوله :" ختم له بها دخل الجنة " بقدر ما أحدث تجانسًا لفظيًّا له أثره الصوتى فقد أحدث توافقًا فى الجمل الثلاث من حيث التماثل فى بنائها الشرطى والتركيبى . وكلمة "ختم " يعنى بها عن ختام العمل الذى يموت عليه صاحبه ولسان حاله [تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ] [ يوسف : 101 ] وإذا مات متصدقا ؛ أى : كان آخر فعله قول" التوحيد " أو الصوم ، أو التصدق فإن الله تعالى يختم له بخير ونعيم [ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)] [ يونس ] وهكذا يتضح لك من قوله فى آخر كل جملة " دخل الجنة" إشارة إلى الارتباط بين التوحيد والصيام والتصدق ، وبين الجنة التى هى مقعدهم الأمين فى جنة رب العالمين .

3-تلاحظ التوزيع البلاغى الدقيق لألفاظ الجمل الثلاث التى اتفقت فى كل شيء تركيبًا وعددًا ودلالا ، وبالرغم من أن كل جملة تعد مستقلة إلا أنها تأخذك بهدوء إلى تواصل العمل الإيمانى الذى يختم به لصاحبه .

فمن لم يعمل في رمضان فمتى سيعمل ، ومن لم يغفر له في رمضان في ظل أجواء العفو والمغفرة والمنح الإلهية فمتى إذن سيغفر له ؟!