عَنْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ» (( أخرجه البخارى في صحيحه ، كتاب : الصوم ، باب :الصلاة كفارة ، رقم الحديث : 1895 )) .


نتعلم من هدى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فضل صيام شهر رمضان ، وأنه مكفر للذنوب والخطايا ، ومطهر للمسلم ومعلوم أن الفرائض بتتابعها واستدامتها مثل النهر الجارى الذى يغتسل فيه المسلم ؛ كى يطهر نفسه ويغسل قلبه فتجتمع له طهارة الظاهر والباطن ، "فـ الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" . (( أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الطهارة ، باب الصلوات الخمس ....مكفرات ، 233)) .

ولا يخفى أن صوم رمضان بإيمان واحتساب يغفر ما تقدم من الذنوب كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم . «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (( أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب : الإيمان ، با ب: صوم رمضان ، رقم الحديث : 38 )) .
وينسحب تكفير الذنوب للصائم على صوم رمضان وعلى صيام التطوع مثل صيام يوم عرفة الذى يكفر ذنوب سنتين ، وصيام عاشوراء الذى يكفر ذنوب سنة .

والفتنة هى الابتلاء والاختبار ، قال تعالى [نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ] [ الأنبياء] وقال تعالى [ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ] [ المائدة : 41 ] وقال تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ] [ الأنفال :28] .
ويتعرض المسلم في هذه الأيام للبركة والصبر ، والخير والمحبة ، وقراءة القرآن الكريم والصدقة والجود ، وحسن الخلق والفوز بجائزة الله عز وجل ، ومع عزيمة الصادقين وصبر المؤمنين تأتي أيام الزرع والحصاد الذي يروى من نهر باب الريان ، وينبت بالإيثار والمجاهدة، ويعلو ويرتفع بالمسابقة إلى الطاعة ، ومع تسبيح الصائمين وبكاء القائمين ، وخشوع المتهجدين ، وحضور قلب الذاكرين ، واستغفار التائبين تأتي مدرسة الصوم لتنبه الغافلين ، وتوقظ المذنبين ، وتفتح أبواب الرضا للمجتهدين ، وتحقق مقام التقوى للصائمين (لعلكم تتقون) ها هي أوصاف رمضان ، إن شهرًا بهذه الأوصاف لحقيق بنا أن نحسن استقباله وأن تزداد أشواقنا إليه .

السمات البلاغية والأسلوبية :

عندما نتأمل بلاغة الحديث الشريف الذى معنا ، نجده يبدأ بصيغة إنشائية من الفاروق عمر رضى الله عنه تؤكد حرص أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم على مدارسة العلم بينهم وأنهم حريصون على التعرف على أبواب العلم التى تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدد بابًا مهمًا وهو " الفتنة " وقد رد عليه أمين سر الرسول صلى الله عليه وسلم "حذيفة بن اليمان" فذكر الحديث الشريف الذى نلاحظ الدقة فى ألفاظه والإبداع فى بساطة تركيبه وعموم الدلالة ووضوح معناه .
ومن السمات الأسلوبية فى الحديث الشريف أن النبى صلى الله عليه وسلم ، بدأ بالمصدر إشارة إلى إتمام المعنى الذى سيرد وإلى ثبوت حقيقة المتحدث عنه وهو " الفتنة " فالمبتدأ المصدرى الاسمى سيحتاج إلى خبر ، يحقق الفائدة للمعنى والجملة وهذا ما يمكن أن نطلق عليه التنوع الأسلوبى . فجملة المبتدأ اسمية وجملة الخبر فعلية .

ونلحظ أن تخصيص الرجل بالفتنة دون المرأة هو من باب التغليب وليس من باب التخصيص ، ثم أوضح الحبيب صلى الله عليه وسلم تعدد الفتن التى تلحق بالإنسان ، وذلك فى شبه الجملة من الجار والمجرور الدال على التنوع فى أهله وماله وجاره ، وهنا نلمح جمال الإيقاع اللفظى وتناسب البناء الصرفى بين " أهله وماله وجاره " والسجع هنا يحقق فائدة عظيمة من الناحيتين الدلالية والصوتية .

فانظر كيف أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف فى اللفظ ، وإنما نراه يصنف لك أنواع الفتن كأنك تعايشها ، فالرجل يُبْتَلى فى أهله ويبتلى فى ماله كما يبتلى بجاره وهذا باب عظيم من أبواب البلاغة الأسلوبية لديه .
وقد جاءت إشارته صلى الله عليه وسلم إلى أن الصوم مكفرًا للخطايا ضمن الفرائض التى يغفر الله بها الخطايا والتى يذهب بها السيئات فذكر فى الجملة الفعلية لجواب الشرط الصلاة والصيام والصدقة ، وهذا تفضيل آخر منه صلى الله عليه وسلم لهذه الطاعات التى يمحو الله بها الخطايا .



وقد أتى بالفتنة مفصلة فى ثلاثة : ( الأهل والمال والجار ) ثم أتى بالمكفرات ثلاثًا أيضا وهى : ( الصلاة والصيام والصدقة ) وهذا حُسْنُ تقسيم وبيان ووجازة ودقة لغوية منه صلى الله عليه وسلم ، فقد جاءت المعانى متناسبة متناسقة ، وفيها دعوة إلى المسارعة إلى الخيرات ، كما قال تعالى : [فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ] [ البقرة : 148] .

اللهم اجعلنا من الذين هم فى صلاتهم خاشعون ، وفى صيامهم متضرعون وجلون ، واكتبنا اللهم من المتصدقين .