عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ » (( أخرجه أبو داود في مسنده ، 4 / 20 ))

الشفاة الذابلة من الصيام يصعد دعاؤها ورجاؤها إلى السماوات ، وتلك الأفواه التى ريحها هى أطيب عند الله من ريح المسك يفوح منها الإيمان والرجاء ، والقلوب التى تذوقت الصيام جعلها نقية موصولة بالملأ الأعلى .


وإذا لم يكن وقت الدعاء المستجاب في شهر رمضان المبارك ؟! ففى أي شهر يكون الدعاء ؟ وهو شهر الطاعة الكاملة ، والبطون الضامرة ، ونزول الملائكة وفتح أبواب الرحمة وأبواب السماء [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ] [البقرة :186]
وعجيب وجميل أن يذكر الدعاء وسط الكلام عن أحكام الصيام ، وهذا التفات يذكرنا الله تعالى به من أن تمام العبادة تكون بالطاعة والإخلاص ، والتوجه إليه وحده بالدعاء .

فحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر ، ثم أردف ذلك بآية الدعاء فهو خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم .

[فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] هنا فى هذه اللمحة القرآنية تسكب فى قلب المؤمن النداوة الحلوة والود والقرب، والثقة واليقين ، والملاذ الأمين ، والقرار المكين ، فادع وأنت صائم ؛ فإن الله قريب منك فقد صفا القلب ونظر إليه مقلب القلوب وغلام الغيوب .

فادع عند السجود وعند الإفطار ، وتيقن بالقبول من غفار الذنوب " فَسَلْ تُجَبْ " سله تعالى الإخلاص فى الرضا والغضب ، وسله الإخلاص فى القول والعمل ، والخشية فى الغيب والشهادة ، وسله تعالى الرضا وزينة الإيمان والعلم النافع والعمل المرفوع والدعاء المسموع ، واطلب بقلبك قبل لسانك ولسان حالك [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ][ النمل : 62 ]. و [تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ] [ الأنعام : 63]
وقد فرح أولو الألباب برمضان ؛ لأنه شهر الدعاء ، وهو سلاح المؤمن ، وروح العبادة ، ومناجاة الرب، ولا تسل عن حال قلب المؤمن الذي صام النهار ، ثم قام في ظلمة الليل يتلو كتاب الله تعالى بتدبر وبتأمل لمعانيه ، وعيناه تذرفان ، يحذر الآخرة ، ويرجو رحمة ربه ، وإن هذا الفرح والانشراح لا يمكن شراؤه بملء الأرض ذهبًا ، وذلك لأنه عطاء من الرحمن لعباده ، [ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ] [ الزمر: 9 ]
السمات البلاغية والأسلوبية :

1-بلاغة التوكيد بالجار والمجرور" للصائم " فهو يريد تخصيص الصائم بالفضل الجزيل فصدَّر به الكلام اعتناءً به وإعلاءً لشأنه ورفعًا لمعاناته .
2-بلاغة الزمن " عند إفطاره" فيه تحديد لخيرية وقت الإفطار ، هذا الوقت يصفو فيه القلب بعد مجاهدة اليوم وفيه فرح واغتنام للجائزة اليومية ، فجاء بالظَّرف تدعيمًا لخيرية وقت غروب الشمس .
3-بلاغة العدد فى التساؤل أهو على سبيل الحصر أم على سبيل العموم ؟ ، "دعوة " أتراه دعوة واحدة أم دعوات كثيرة ؟ لا تضيف على كرم الله تعالى وفضله ، فهذا وقت إجابة ؛ فادع لمن تشاء بما تشاء .
4-قوله :" مستجابة " توحى لك بسرعة الاستجابة للصائم عند فطره ، وأن الدعاء صاعد والفرج نازل وفيه قطع لتوهم عدم القبول ، وفيه كناية عندما عبَّر بالجملة المضارعة على الحث على مواصلة الدعاء فى جميع الأحوال .
5-aتأكيد المعاني بأكثر من طريق لمزيد من الإقناع والإفهام ، حيث أكد المعنى بالبدء بالجار والمجرور ( للصائم ) ثم ذكر الزمان الشريف عند إفطاره، ثم جاء البيان الذي فيه الجزاء والقبول والفتح عند الإفطار ، فقال دعوة مستجابة ، وهذا تحقيق لمعنى مهم ، وهو الإخبات في الدعاء خاصة بعد الإفطار ( ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله ) .

اللهم ياسميع الدعاء وياقابل الرجاء ويا غافر الذنب وياقابل التوبة ، اغفر ذنوبنا واقبل توبتنا واغسل حوبتنا ، واسلل سخيمة صدورنا ، وتقبل منا صالح أعمالنا .