السؤال
لقد أمرنا الله تعالى بالعلم منذ بداية الوحي، وإن علم الفلك والرصد الجوي ـ توقعات الطقس والكسوف والخسوف ـ من العلوم التجريبية الداخلة في الحكم العادي الذي تعريفه: ربط أمر بأمر وجودا وعدما مع صحة التخلف ـ واللذان هما علمان لا غنى عنهما في الملاحة البحرية والجوية، فهل يكون الاطلاع على توقعات الطقس وتصديقها جائزا أو مندوبا أو مكروها أو واجبا أو محرما، لورود النهي الجازم بعدم تصديق من يدعي علم الغيب والتنبؤ بالمستقبل لكونه شركا؟ وكذلك في مسألة أهلة الشهور القمرية، فإن العلم الحديث الذي تقدمنا فيه نحن المسلمون بفضل حسن تطبيق الإسلام ثم افتك الغرب منا المشعل لتكالبنا على الدنيا، نرى أنه دقيق في حساب ولادة الهلال وضبط خرائط رؤيته وما تخلف أبدا وما أخطأ، وكتب في الإنترنت أحد الفقهاء المعاصرين أن الاستئناس بالحساب هو لرصد الهلال بالرؤية في الزمن والمكان الذين يشير إليهما الحساب، إذ إن الرؤية لابد منها سواء كانت بالعين المباشرة أو بالمنظار، فلماذا نرى في مواقع الإنترنت للجامعات والمؤسسات العلمية مخالفات عديدة كإعلانات مشاهدة الهلال الجديد تصل إلى حد السخرية والاستهزاء ـ من طلب الحجة إلى القرار السياسي مرورا بالاتهام بالوهم ـ والتكذيب القطعي؟ ونحن نرفض تكذيب أي مسلم وخاصة من الغرب، وقد ورد في السنة المطهرة أن المؤمن ـ وليس المسلم ـ لا يكذب، فهل هناك مدرستان علميتان متضاربتان؟ وهل هناك معايير مختلفة لرؤية الهلال؟ وأيّ المعايير يوافق الرؤية الشرعية؟ وحسب اتجاه دوران الأرض، فإن الهلال الجديد يكون أكثر سنا كلما اتجهنا إلى الغرب، فلماذا لا يعتمد الخليجيون مثلا الرؤية في دكار عاصمة السنغال التي سكانها 90% مسلمون عند استحالة الرؤية في الخليج، وثبوتها في دكار خاصة مع اشتراكهم في جزء من الليل؟ أرجو ألا يكون عدم اعتبارهم المعهود لرؤية الزنوج من أجل العنصرية المخالفة للإسلام التي نراها من الخليجيين تجاه المغاربة والتي تزداد تجاه الزنوج.





الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن علم الفلك الحسابي الذي يستدل به على الجهات والقبلة وأوقات الصلوات ومعرفة أسماء الكواكب ويهتدى به في السفر، لا خلاف بين الفقهاء في جوازه، بل ذهب البعض إلى أنه فرض كفاية، قال ابن عابدين:... والحسابي حق وقد نطق به الكتاب في قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ {الرحمن5} اهـ..
ولا يعتبر توقع الطقس من علم الغيب، كما قدمنا بيانه في الفتوى رقم: 205165.
وقد سبق لنا أن بينا في عدة فتاوى عدم مشروعية الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد بداية الشهور القمرية وانتهائها، وأن القول بالحساب الفلكي يعتبر قولا مخالفا لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولما اتفق عليه الصحابة ومردود عند جمهور أهل العلم، وأن مجمع الفقه الإسلامي قرر عدم الاعتماد على الحساب الفلكي، فانظر لذلك كله الفتوى رقم: 6636.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كلام مفصل في هذه المسألة قال فيه ـ رحمه الله: فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم. انتهى محل الغرض منه.
وقال ابن رجب ـ رحمه الله: فتبين أن ديننا لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، كما يفعله أهل الكتاب من ضبط عباداتهم بمسير الشمس وحسباناتها، وأن ديننا في ميقات الصيام معلق بما يرى بالبصر ـ وهو رؤية الهلال ـ فإن غم أكملنا عدة الشهر ولم نحتج إلى حساب. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في مجموع الفتاوى: فَإِنَّ الْهِلَالَ مَأْخُوذٌ مِنْ الظُّهُورِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ فَطُلُوعُهُ فِي السَّمَاءِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْأَرْضِ فَلَا حُكْمَ لَهُ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا... وقال أيضا: ... وَذَلِكَ أَنَّ الْهِلَالَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ، وَمِنْ أَصَحِّ الْمَعْلُومَاتِ مَا شُوهِدَ بِالْأَبْصَارِ، وَلِهَذَا سَمَّوْهُ هِلَالًا، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ تَدُلُّ عَلَى الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ: إمَّا سَمْعًا وَإِمَّا بَصَرًا.... وهلال أصحاب الفلك ليس هلالا ظاهرا لا بصرا ولا سمعا.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في شرح حديث: إنا أمة أمية: فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا ويوضحه قوله في الحديث الماضي: فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ـ ولم يقل فسلوا أهل الحساب والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم. انتهى.
هذا، وننبه إلى أنه لا يقبل في الإسلام ازدراء الناس بسبب جهاتهم أو ألوانهم، وأن مقياس الكرامة وميزان التفاضل عند الله تعالى هو بالتقوى، أما الأنساب والألوان واللغات والمجتمعات والثقافات: فالتفاضل بها من شأن الجاهلية التي قضى عليها الإسلام ونبذتها نصوص الوحي في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من ذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {الحجرات: 13}.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. رواه البيهقي.
وروى أحمد في مسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام عن فخرهم برجال أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن. رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.
وقد تداعى بعض الأنصار والمهاجرين، فقال أنصاري: يا للأنصار، وقال مهاجري: يا للمهاجرين. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها منتنة. وفي رواية: دعوها فإنها خبيثة. رواهما البخاري.