لقد تبين أثناء البحث في موضوع تدوين السنة -وخاصة في دراسة رجال الحديث في عصر الصحابة والتابعين- أن أمير مصر "عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي" (-85هـ) قد حاول جمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .


وقد روى هذا إمام الديار المصرية ومحدثها "الليث بن سعد"؛ فقال: (حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي -وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ليث: وكان يسمى الجن المقدم، قال: فكتب إليه أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا(1)) لم يطلب حديث أبي هريرة لأنه كان عنده وكان قد سمعه عبد العزيز بن مروان من أبي هريرة (2).


لقد طلب أمير مصر كتابة حديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من إمام حمص وعاملها الذي كان طالباً للعلم حافظاً ثقة(3)، وقد كان هذا الطلب أثناء إمارته على مصر بين سنة (65-85 )هجرية ، ويمكننا أن نجد هذا بحد أقرب إلى الحقيقة إذا عرفنا أن كثير بن مرة توفي بين سنة (70-80(4)) للهجرة ، فلو فرضنا أنه توفي سنة (75هـ) فمعنى هذا أن طلب الأمير كان قبل هذه السنة، والراجح عندي أن طلب الأمير عبد العزيز، كان في السنين الأولى من إمارته لما عرف عنه من حب للعلم وأهله، وتفان في خدمة الدين (5).


إلا أن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للأمير، فنقف أمام هذا الخبر التاريخي متسائلين: تُرى هل كتب كثير للأمير ما طلب منه من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ وإذا كتب إليه فما مقدار ما كتبه؟ وعن أي الصحابة كتب إليه؟ ثم إلى من آلت تلك الصحف أو الدفاتر المدونة ؟ كل هذه أسئلة تعرض أمامنا، وتحتاج إلى بحث وتنقيب .


وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا الإسلامي العظيم، نجيب عن هذه الأسئلة على ضوء ما لدينا من أخبار قليلة.
إن ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا أن يستجيب كثير بن مرة لطلب الأمير، ولو ظن الأمير عبد العزيز امتناع عالم حمص عن إجابته ما كتب إليه، مما يرجح عندي أن كثيرًا تلقى رسالة الأمير وأجابه إلى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم.




ومن الصعب في هذا المجال أن نقدر مقدار ما كتب كثير، لأن المراجع لم تنص على شيء من هذا (6)،فأرجو من الله أن أوفق فيما بعد للكشف عن ذلك وإيضاحه بما يكفل لنا الحكم العلمي الصحيح.


ونقول الآن بعد هذا الخبر: إذا ثبتت استجابة كثير بن مرة لطلب أمير مصر فيعني هذا أن بعض الحديث النبوي قد دون رسميًا في منتصف العقد الهجري الثامن قبل انقضاء القرن الأول..


وعلى أية حال، فإن اهتمام أمير مصر بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتدوينه يزيدنا ثقة بأن التدوين قد سار جنبًا إلى جنب مع الحفظ، ولم يتأخر قط إلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فيكون شرف المساهمة في تدوين الحديث، قد كلل الوالد الأمير والابن الخليفة البار، ويكون لهما جميعاً شرف العمل لحفظ الحديث وتدوينه رسميًا.


وأنا بهذه النتيجة لا أريد أن أخالف ما أشهر عند أئمة هذا العلم من أن تدوين الحديث النبوي كان على رأس المائة الأولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، بل أضع يدي على مفتاح بحث تاريخي له أهميته في تاريخ تدوين تراثنا الزاخر، ينتظر من يتفرغ ليكشف عنه، فنحن في هذا لسنا بدعاً، ولا نأتي بشيء جديد سوى أننا ننقض غبار الماضي عن جواهرنا المكنونة، ونحاول أن نسلكها في عقد يصور لنا الحقيقة التاريخية.
----------------
(1)- انظر تهذيب التهذيب ص356 ج6.
(2) - طبقات ابن سعد ص157 قسم 2 ج7 وتهذيب التهذيب ص429 ج8
(3) - انظر تذكرة الحفاظ ص49ج1.
(4) -انظر تهذيب التهذيب ص429ج8.
(5) - انظر النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ص171 ، 174 ج1.
(6) - لأن التاريخ الأموي دون في عهد الدولة العباسية وقد اهتم المؤرخون بالحوادث الكبرى وبالخلفاء العريضة من حياة الأمراء, وكانت كثير من مزايا الأمويين تطمس أو تصغر تمشيًا مع سياسة العباسيين الذين لا يسرهم التحدث بمفاخر من قبلهم، انظر : أضواء على التاريخ الإسلام ص85 ونحن لا نشك بوجود مؤرخين منصفين نرجو أن نجد عندهم فيما بعد ما يروي غليلنا في هذه النقطة.