قراءةُ الفاتحةِ في كلِّ ركعةٍ من ركعات الفرْضِ، والنفْلِ: قد صحت الأحاديث في افتراض قراءة الفاتحة، في كل ركعة، وما دامت الأحاديث في ذلك صحيحة صريحة، فلا مجال للخلاف، ولا موضع له، ونحن نذكرها فيما يلي: 1-عن عبادة بن الصامت - رضي اللّه عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة، لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"(1). رواه الجماعة.
2- وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة، لم يقرأ فيها بأم القرآن - وفي رواية: بفاتحة الكتاب - فهي خداج(2)، هي خداج، هي خداج غير تمام"(3). رواه أحمد، والشيخان.
3- وعنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تجزئ صلاة، لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"(4). رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح، ورواه ابن حبان، وأبو حاتم.
4- وعند الدارقطني بإسناد صحيح: "لا تجزئ صلاة، لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"(5).
5- وعن أبي سعيد: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر(6). رواه أبو داود، وقال الحافظ، وابن سيد الناس: إسناده صحيح.
6- وفي بعض طرق حديث المسيء في صلاته: "ثم اقرأ بأم القرآن". إلى أن قال له: "ثم افعل ذلك في كل ركعة".
7- ثم الثابت، أن النبي صلى الله عليه وسلمكان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، ولم يثبت عنه خلاف ذلك، ومدار الأمر في العبادة على الاتباع؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا، كما رأيتموني أصلي"(7). رواه البخاري.
البسملة: اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية في سورة النمل، واختلفوا في البسملة الواقعة في أول السور، إلى ثلاثة مذاهب مشهورة؛ الأول، أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة، وعلى هذا فقراءتها واجبة في الفاتحة، وحكمها حكم الفاتحة في السر والجهر. وأقوى دليل لهذا المذهب حديث نعيم المجمِّر، قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن. الحديث، وفي آخره، قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول اللّه صلى الله عليه وسلم(8). رواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان.
قال الحافظ في "الفتح": وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة.
الثاني، أنها آية مستقلة، أُنزلت للتيمن، والفصل بين السور، وأن قراءتها في الفاتحة جائزة، بل مستحبة، ولا يسن الجهر بها؛ لحديث أنس قال: صليت خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وكانوا لا يجهرون ببسم اللّه الرحمن الرحيم(9). رواه النسائى، وابن حبان، والطحاوي بإسناد على شرط الصحيحين.
الثالث، أنها ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها، وأن قراءتها مكروهة، سرًّا وجهراً، في الفرض دون النافلة. وهذا المذهب ليس بالقوي.
وقد جمع ابن القيم بين المذهب الأول والثاني، فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب، أنه لم يجهر بها دائماً، في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً، حضراً وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة.
مَنْ لم يحسن فرْضَ القراءةِ: قال الخطابي: الأصل، أن الصلاة لا تجزئ، إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها، دون من لا يحسنها، فإذا كان المصلي لا يحسنها، ويحسن غيرها من القرآن، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات؛ لأن أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن، وإن كان ليس في وسعه، أن يتعلم شيئاً من القرآن؛ لعجز في طبعه، أو سوء في حفظه، أو عجمة في لسانه، أو عاهة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم، من التسبيح، والتحميد، والتهليل.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أفضل الذكر بعد كلام اللّه، سبحان اللّه، والحمد اللّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر"(10). انتهي.
ويؤيده، ما ذكره الخطابي، من حديث رفاعة بن رافع، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلاً الصلاة، فقال: "إن كان معك قرآن، فاقرأ، وإلا فاحمده، وكبره، وهلله، ثم اركع"(11). رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي.