الثابت المعروف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقعد القعود الأخير، ويقرأ فيه التشهد، وأنه قال للمسيء في صلاته: "فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة، وقعدت قدر التشهد، فقد تمت صلاتك". قال ابن قدامة: وقد روي عن ابن عباس، أنه قال: كنا نقول، قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللّه. قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا: السلام على اللّه، ولكن قولوا: التحيات للّه"(1). وهذا يدل على أنه فُرض، بعد أن لم يكن مفروضاً.
أصحُّ ما ورد في التشهدِ: أصح ما ورد في التشهد تشهد ابن مسعود، قال: كنا إذا جلسنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، قلنا: السلام على اللّه. قبل عباده، والسلام على فلان وفلان. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا: السلام على اللّه؛ فإن اللّه هو السلام، ولكن إذا جلس أحدكم، فليقل: التحيات للّه، والصلوات، والطيبات، السلام عليك، أيها النبي، ورحمة اللّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللّه الصالحين؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أو بين السماء والأرض: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليختر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به"(2). رواه الجماعة.
قال مسلم: أجمع الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه. وقال الترمذي، والخطابي، وابن عبد البر، وابن المنذر: تشهد ابن مسعود أصح حديث في التشهد، ويلي تشهد ابن مسعود في الصحة تشهد ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد، كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات للّه، السلام عليك أيها النبي، ورحمة اللّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"(3). رواه الشافعي، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال الشافعي: ورويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلىَّ؛ لأنه أكملها. قال الحافظ: سئل الشافعي، عن اختياره تشهد ابن عباس ؟ فقال: لما رأيته واسعاً، وسمعته عن ابن عباس صحيحاً، وكان عندي أجمع، وأكثر لفظاً من غيره أخذت به، غير معنف لمن أخذ بغيره، مما صح. وهناك تشهد آخر اختاره مالك، ورواه في "الموطأ"، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أنه سمع عمر بن الخطاب، وهو على المنبر، يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات للّه، الزاكيات للّه، الطيبات والصلوات للّه، السلام عليك، أيها النبي، ورحمة للّه وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد للّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله(4). قال النووي: هذه الأحاديث في التشهد كلها صحيحة، وأشدها صحة، باتفاق المحدثين، حديث ابن مسعود، ثم ابن عباس. قال الشافعي: وبأيها تشهد، أجزأه. وقال: أجمع العلماء على جواز كل واحد منها.