السَّلامُ، ثبتت فرضية السلام من قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفعله؛ فعن علي - رضي اللّه عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"(1). رواه أحمد، والشافعي، وأبوا داود، وابن ماجه، والترمذي. وقال: هذا أصح شيء في الباب، وأحسن. وعن عامربن سعد، عن أبيه، قال: كنت أري النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه، وعن يساره، حتى يرى بياض خده(2). رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. وعن وائل بن حجر، قال:صليت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته". وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة للّه وبركاته"(3). قال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": رواه أبو داود، بإسناد صحيح.
وجوبُ التسليمةِ الواحدِة، واستحبابُ التسليمةِ الثانيةِ: يرى جمهور العلماء، أن التسليمة الأولى هي الفرض، وأن الثانية مستحبة؛ قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة، جائزة. وقال ابن قدامة في "المغني": وليس نص أحمد بصريح في وجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. فيجوز أن يذهب إليه في المشروعية، لا الإيجاب، كما ذهب إلى ذلك غيره، وقد دل عليه قوله في رواية: وأحب إلىَّ التسليمتان، ولأن عائشة، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد قد رَوَوْا، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة، وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة(4). وفيما ذكرناه جمع بين الأخبار وأقوال الصحابة في، أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين، والواجب واحدة، وقد دل على صحة هذا الإجماع، الذي ذكره ابن المنذر، فلا معدل عنه. وقال النووي: مذهب الشافعي، والجمهور من السلف والخلف، أنه يسن تسليمتان. وقال مالك، وطائفة: إنما يسن تسليمة واحدة. وتعلقوا بأحاديث ضعيفة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، ولو ثبت شيء منها، حمل على أنه فعل ذلك؛ لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة.
وأجمع العلماء الذين يُعتدُّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمةٌ واحدة، فإن سلّم واحدةً، استُحِب له أن يسلمها تلقاءَ وجهه، وإن سلم تسليمتين، جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كل تسليمة، حتى يرى من عن جانبه خدّه، هذا هو الصحيح. إلى أن قال: ولو سلم التسليمتين عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه، صحت صلاته، وحصلت تسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما.