للصلاة سنن، يستحب للمصلي أن يحافظ عليها؛ لينال ثوابها، نذكرها فيما يلي: 1- رَفْعُ اليدَيْن(1): يستحب أن يرفع يديه في أربع حالات؛ الأولى، عند تكبيرة الإحرام؛ قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم في أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وقال الحافظ ابن حجر: إنه روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيّاً؛ منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى البيهقي، عن الحاكم، قال: لا نعلم سُنة اتفق على روايتها عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أصحابه، مع تفرقهم في البلاد الشاسعة،غير هذه السنة. قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد اللّه.
صِفةُ الرفْعِ: ورد في صفة رفع اليدين روايات متعددة، والمختار الذي عليه الجماهير، أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحْمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه. قال النووي: وبهذا جمع الشافعي بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه. ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع؛ فعن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه مدّاً(2). رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
وقتُ الرفْعِ: ينبغي أن يكون رفع اليدين مقارناً لتكبيرة الإحرام، أو متقدماً عليها؛ فعن نافع، أن ابن عمر -رضي اللّه عنهما- كان إذا دخل في الصلاة،كبر، ورفع يديه، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم (3). رواه البخاري، والنسائيُّ، وأبو داود. وعنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه، حين يكبر، حتى يكونا حذو منكبيه، أو قريباً من ذلك(4). الحديث رواه أحمد، وغيره.
وأما تقدم رفع اليدين على تكبيرة الإحرام، فقد جاء عن ابن عمر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه، حتى يكونا بحذو منكبيه، ثم يكبر(5). رواه البخاري، ومسلم.
وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث، بلفظ: كبر، ثم رفع يديه(6). رواه مسلم. وهذا يفيد تقديم التكبيرة على رفع اليدين، ولكن الحافظ قال: لم أر من قال بتقديم التكبيرة على الرفع.
الثانيةُ، والثالثةُ: ويستحب رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه، وقد روى اثنان وعشرون صحابيًّا، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله. وعن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه، حتى يكونا حذو(7) منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع، رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك، وقال: سمع اللّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد. رواه البخاري، ومسلم، والبيهقي، وللبخاري: ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود. ولمسلم: ولا يفعله، حين يرفع رأسه من السجود. وله أيضاً: ولا يرفعهما بين السجدتين. وزاد البيهقي: فما زالت تلك صلاته، حتى لقي اللّه تعالى. فقال ابن المديني: هذا الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه، فعليه أن يعمل به؛ لأنه ليس في إسناده شيء، وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءاً مفرداً، وحكى فيه، عن الحسن، وحميد بن هلال، أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، يعني، الرفع في الثلاثة المواطن، ولم يستثن الحسن أحداً. وأما ما ذهب إليه الحنفية من أن الرفع لا يشرع، إلا عند تكبيرة الإحرام؛ استدلالاً بحديث ابن مسعود، أنه قال: لأصلين لكم صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة. فهو مذهب غير قوي؛ لأن هذا قد طعن فيه كثير من أئمة الحديث. قال ابن حبان: هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين، في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه؛ لأن له عللاً تبطله، وعلى فرض التسليم بصحته، كما صرح بذلك الترمذي، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة.
وجوز صاحب "التنقيح"، أن يكون ابن مسعود نسي الرفع كما، نسي غيره. قال الزيلعي في "نصب الراية" نقلاً عن صاحب "التنقيح": ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب؛ فقد نسي ابن مسعود من القرآن، ما لم يختلف فيه المسلمون بعدُ، وهما المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه،كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي ما لا يختلف العلماء فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، يوم النحر، في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: " وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى " [الليل: 3]. وإذا جاز على ابن مسعود، أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز أن ينسى مثله في رفع اليدين ؟! الرابعةُ، عند القيامِ إلى الركعةِ الثالثةِ: فعن نافع، عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - أنه كان إذا قام من الركعتين، رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم (8). رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
وعن علي، في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام من السجدتين، رفع يديه حذو منكبيه، وكبر(9). رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي وصححه. والمراد بالسجدتين الركعتان.
مساواةُ المرأةِ بالرجلِ في هذه السنّةِ: قال الشوكاني: واعلم، أن هذه السنّة يشترك فيها الرجال والنساء، ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها،وكذا لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة، في مقدار الرفع.