إن السيرة النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام-
عبارة في الحقيقة عن الرسالة التي حملها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المجتمع البشري، وأخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله.
وإذن فلا يمكن إحضار صورتها الرائعة بتمامها إلا بعد المقارنة بين خلفيات هذه الرسالة وآثارها.
ونظرا إلى ذلك نقدم فصلا عن أقوام العرب وتطوراتها قبل الإسلام، وعن الظروف التي بعث فيها محمد صلّى الله عليه وسلم.
موقع العرب
العرب لغة: الصحاري والقفار، والأرض المجدبة التي لا ماء فيها ولا نبات.
وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على جزيرة العرب.
كما أطلق على قوم قطنوا تلك الأرض، واتخذوها موطنا لهم.
وجزيرة العرب يحدها غربا البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء،
وشرقا الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبا بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند،
وشمالا بلاد الشام وجزء من بلاد العراق على اختلاف في بعض هذه الحدود،
وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع.
والجزيرة لها أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي؛
فأما باعتبار وضعها الداخلي فهي محاطة بالصحاري والرمال من كل جانب،
ومن أجل هذا الوضع صارت الجزيرة حصنا منيعا لا يسمح للأجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرتهم ونفوذهم.
ولذلك نرى سكان الجزيرة أحرارا في جميع الشؤون منذ أقدم العصور،
مع أنهم كانوا مجاورين لإمبراطوريتين عظيمتين لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع.
وأما بالنسبة إلى الخارج فإنها تقع بين القارات المعروفة في العالم القديم. وتلتقي بها برا وبحرا. فإن ناحيتها الشمالية الغربية باب للدخول في قارة أفريقية،
وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقارة أوروبا،
والناحية الشرقية تفتح أبواب العجم والشرق الأوسط والأدنى. وتفضي إلى الهند والصين،
وكذلك تلتقي كل قارة بالجزيرة بحرا،
وترسي سفنها وبواخرها على ميناء الجزيرة رأسا.
ولأجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزيرة وجنوبها مهبطا للأمم ومركزا لتبادل التجارة، والثقافة، والديانة، والفنون.
‫#‏السيرة_الرحيق_المختوم‬