كان الزوجان يحتفلان بعيد ميلاد كريس الرابع والأربعين في تلك الليلة. ولأن كلاهما من أصول يونانية، فقد أصرت فيكي على أن يحتفلا بهذه المناسبة السعيدة في مطعم يوناني صغير يقع في ضواحي مدينة ملبورن الاسترالية، وأصرت أيضا على أن تقود بنفسها سيارة زوجها الرياضية الحديثة في الطريق إلى المطعم، وهي لفتة نالت استحسان كريس بشدة لأنه يعلم جيدا بأن زوجته تكره قيادة السيارات عموما ولم تقد سيارة بنفسها منذ أعوام، حتى أنه لم يعترض حين ركنت السيارة في زقاق معتم بعيد نسبيا بالرغم من وجود مكان خالي أمام المطعم.
كريس وفيكي قضيا ليلة صاخبة في المطعم، أكلا وشربا ورقصا، وقد شاركهما الاحتفال جميع الحضور، وحتما شعر العديد منهم بشيء من الحسد والغيرة بسبب قوة ومتانة العلاقة والعاطفة التي تجمع بين الزوجين بالرغم من مرور ثلاثة عشر عاما على زواجهما الذي عده الكثيرون زواجا مثاليا .. فهما غنيان .. ولديهما ثلاثة أطفال .. ويعشقان بعضهما .. ماذا يريد الأزواج أكثر من هذا؟.
الزوجان غادرا المطعم في ساعة متأخرة من تلك الليلة، سارا على مهل صوب الزقاق الذي ركنت فيكي السيارة فيه، كانا يمسكان بيد بعضهما كالعشاق حين دخلا ذلك الزقاق المظلم، وقبل أن يصلا إلى سيارتهما لمح كريس شخصا ما يقف في العتمة فشعر بشيء من التوجس وتباطأت خطواته قليلا، لكن فيكي سحبت يده وحثته على السير، وما أن تجاوزا الرجل ببضعة خطوات حتى شعر كريس بيد قوية تمسك به من الخلف وبشيء بارد كالمعدن يمر على رقبته سريعا، كان هجوما مباغتا أسقط كريس على الأرض وهو يتخبط بدمه فيما راح المهاجم المجهول يطعنه بالسكين المرة تلو المرة. كريس لم يأبه لنفسه كثيرا، لكنه خشي على سلامة زوجته فصرخ فيها قائلا : أركضي فيكي .. أركضي حبيبتي .. أنجي بنفسك .. أوصيك برعاية أطفالنا .. أحبك .. أحبك .. ثم غاب عن الوعي ولم يعد يشعر بشيء.
فيكي لازمت زوجها في المستشفى ..
حين أفاق كريس مرة أخرى وجد نفسه نائما على سرير كبير داخل غرفة جدرانها بيضاء والى جواره تكدست العديد من الأجهزة والمعدات الطبية. كانت فيكي تجلس على كرسي إلى جوار سريره وهي تجهش بالبكاء. أراد كريس أن يتحدث أليها، أن يعرف ماذا حصل، لكنه لم يستطع، إذ شعر بألم حاد في عنقه منعه من الكلام، فطوقته فيكي بذراعها وقالت بنبرة حانية : لا بأس عليك يا حبيبي .. أنت بخير .. لقد هاجمنا متشرد أثناء عودتنا إلى السيارة.
ما لم يعلمه كريس في تلك اللحظة هو أنه كان قد أمضى 13 يوم في غيبوبة تامة، فمهاجمه المجهول كان قد نحره من رقبته بالسكين ثم طعنه ست طعنات في مناطق مختلفة من جسده قبل أن يفر هاربا. كان قد نزف الكثير من الدماء وبالكاد يتنفس حين وصلت الإسعاف، وقد أعتبر الأطباء نجاته أشبه بالمعجزة.
فيكي كانت الشاهدة الوحيدة على الهجوم، لكن شهادتها لم تكن مفيدة للشرطة، أخبرتهم بأن الزقاق كان مظلما فلم تستطع أن تتبين وجه المهاجم. وخلال الأيام القليلة التالية بدأت صحة كريس تتحسن بشكل كبير، كانت فيكي لا تفارقه إلا من أجل الذهاب إلى المنزل للاطمئنان على الأطفال، كانت بالنسبة إلى الجميع مثالا يحتذى لوفاء الزوجة وإخلاصها، وقد شعر كريس بامتنان كبير لوجودها إلى جانبه.
فيكي أبدت لهفة وحماسا كبيرا لمعرفة هوية المهاجم المجهول، كانت تتصل بالشرطة يوميا لتطمأن على سير التحقيقات، لهذا توقع شقيق زوجها بأنها ستشعر بسعادة عارمة حين أخبرها بأن الشرطة ألقت القبض على المهاجم، وذلك بعد أسبوعين على الحادث. لكنها وعلى غير المتوقع تسمرت في مكانها وامتقع لونها كأن صاعقة قد حلت على رأسها ثم غادرت المستشفى على عجل متحججة بالذهاب للمنزل للاطمئنان على أطفالها. وفي اليوم التالي لم تحضر فيكي إلى المستشفى على غير عادتها، ولم يفلح كريس بالاتصال بهاتفها رغم محاولاته المستمرة.
كريس كان في غاية القلق على زوجته، لكن قلقه لم يستمر طويلا، ففي المساء زاره أحد محققي الشرطة، كان يحمل معه خبرا هز كيان كريس كالزلزال. أخبره بصراحة بأن زوجته فيكي أتت إلى الشرطة ظهر هذا اليوم واعترفت بأن المهاجم المجهول الذي هاجمهما هو في الحقيقة عشيقها وبأنهما خططا معا لقتل كريس.
الشرطة كانت قد ألقت القبض على المهاجم بالفعل، لذا لم تجد فيكي بدا من الذهاب إلى الشرطة بنفسها للاعتراف بجريمتها. ربما أرادت تحاشي ألقاء القبض عليها في منزلها أمام أبنتها المراهقة وطفليها التوأم. وقد شكل اعترافها صدمة للجميع، كان أمرا لا يصدق، خصوصا بالنسبة إلى كريس الذي أصيب على الفور بحالة من الصدمة والذهول استمرت لعدة أيام.
"لقد كنا متوافقين تماما، كانت زوجة وأما عظيمة، لم تكن هناك أي مشاكل بيننا، كان زواجنا مثاليا .. لقد اعتادت أن تعيد على مسامعي كل يوم عبارة (حتى يفرقنا الموت) وكانت تبدي لي حبا كبيرا" .. قال كريس لأحد الصحفيين وهو يهز رأسه أسفا خارج قاعة المحكمة ثم تابع بنبرة حزينة : "لم تسألني يوما عن ما أفعله في غيابها ولم أسألها يوما عن ذلك .. كان زواجنا مبنيا على الثقة" .. ثم أردف ساخرا : "على الأقل من وجهة نظري أنا".
لكن ثقة كريس العمياء لم تكن في محلها، فخلال احتفالها بعيد ميلادها الأربعين عام 2007 تعرفت فيكي على رجل يدعى آري ديمتراكس، كان هو الآخر من أصول يونانية، متزوج ويعمل سائق سيارة، وخلال فترة قصيرة توطدت العلاقة بينهما لتتحول إلى علاقة حب ملتهبة الأوار، كانا مجنونين ببعضهما، حتى أن الشرطة ألقت القبض عليهما في أحدى الليالي وهما عاريان تماما في المقعد الخلفي لسيارة مركونة في شارع فرعي. كان عشقهما ناريا إلى درجة أن كلا منهما قام بوشم أسم الآخر على الأصبع تحت خاتم الزواج وعلى الرقبة خلف الشعر.
ديمتراكس أعترف لاحقا للشرطة بأن فيكي فاتحته بشأن قتل زوجها لأول مرة عام 2009، وبأن الأمر لم يعدو على كونه مزحة في بادئ الأمر، وبأنه ساير فيكي في هذه المزحة لأنها كانت تشعر بحماس شديد حينما تخطط لقتل زوجها وكانت تبدي له مزيدا من الحب والانقياد في الفراش حينما كانا يتحدثان عن قتل زوجها!.
فيكي كانت في الحقيقة ممثلة بارعة، أبرع من الكثير من ممثلات هوليوود المحترفات. كانت تخون زوجها وتخطط لقتله وفي نفس الوقت تجيد السيطرة والتحكم بعواطفها تماما فتظهر له من الحب والود والاهتمام ما يجعله لا يشك في أخلاصها للحظة. كانت في الحقيقة تسعى للاستيلاء على ثروته، فأغلب ممتلكات الزوجين كانت بأسمها، وكانا يشتركان في وديعة بنكية مقدارها ربع مليون دولار إضافة إلى وثيقة تأمين على حياة كريس بقيمة مائتي ألف دولار. وبالتالي فهي لم تكن لتخسر شيء برحيل كريس، بالعكس .. كانت ستتمتع بالثروة مع حبيبها الفقير الذي لم يكن يملك مسكنا لائقا وكان يعيش برفقة زوجته وأطفاله في قبو صغير بمنزل أمه.
كريس خارج قاعة المحكمة بعد صدور الحكم على زوجته ..
خلال محاكمتها نزعت فيكي القناع عن وجهها تماما، لم تبدي أية أشارة ندم ولم تقدم للمحكمة أي مبرر مقنع لما ارتكبته بحق زوجها. بل كانت من الجرأة والوقاحة بحيث أنها اتصلت بديمتراكس في سجنه وأخبرته بأنها مازالت تحبه وستستمر بحبه إلى الأبد. وقاحتها هذه جعلت الجميع ضدها، حتى أطفالها. وقد خاطبتها قاضية المحكمة قبل إصدار الحكم قائلة : "صحيح أنكِ لم تكوني تمسكين السكين بيدك في ليلة الحادث، لكنك كنت تروي قتل زوجك تماما كما لو كان السكين في يدك .. أنه لمن الصعوبة تخيل وتجربة الشعور المؤلم بالخيانة الذي أحس به زوجك لدى علمه بأن زوجته خططت لقتله مع عشيقها في ليلة عيد ميلاده دونا عن جميع الليالي والأيام".
محاكمة فيكي وعشيقها انتهت إلى الحكم عليها بالسجن لمدة 12 عاما غير قابلة للتخفيف أو العفو إلا بعد مرور 9 أعوام. أما عشيقها ديمتراكس فقد نال حكما مخففا بالسجن لسبعة أعوام بسبب تعاونه مع الشرطة وشهادته ضد فيكي في المحكمة.


حب ومكر 1433141106221.jpg