كل عام وأنتم بخير ...
وها هى ايام الله المباركة تمر علينا كما النسمات :
إن ربنا جل وعلا فضل بعض الأوقات على بعض وبعض الأيام على بعض وبعض الشهور على بعض وبعض الأماكن على بعض.
هذا التفضيل منحة من الله ... عطية لعباده يعينه بها على طاعته وعباده فإذا علم العبد أن الله فى هذا الوقت أو الزمان أو المكان يعطى فيه من المغفرة أكثر مما يعطى فيه فى غيره كان هذا دافعا له أن يتقرب إلى الله عز وجل وينتهز كل الفرص ليتدارك كل ما جناه من تقصير..
ومن هذه الأزمنة والشهور التى فضلها الله شهر رمضان :
وكلنا يعرف فضله ولكن الكثير منا يُعانى ما ُيعانى فى رمضان وهى قضية متكررة كل عام نشتكى منها جميعا إلا من عصم ربنا إن رمضان يضيع منّا ونحن لا زلنا نقاوم فى أنفسنا ونقاوم شيطاننا ونشتغل بتعب أجسامنا وإجهاد أنفسنا فإذا ما بدأنا نشعر بطعم حلاوة الأيام فإذا بشهر رمضان يكون وقد ولى وانتهى.... ولماذا ذلك ؟
لأننا عباد الله لا نستعد للقاء رمضان ولا نهيؤ أنفسنا للعبادة الخالصة لله فى هذا الشهر لأننا نتعامل مع الله سبحانه وتعالى معاملة تجارية بحتة حيث يظن الواحد منّا أنه باستطاعته بذكائه وقوته بفهمه وبعقله أنه يستطيع أن يخدع ربه جل وعا وسبحان الله فلا يخدع ربنا جل وعلا أبدا !
يظن البعض أنه باستطاعته أن يخلع ثوب المعصية والغفلة أن يخلع ثوب اللهو والعبث مع أول ليلة من ليالى شهر رمضان ثم يرتدى ثوب الزهد والعبادة وهو يريد من قلبه أن يتحول بذلك !
سبحان الله وهل الأمر بمجرد مظاهر نتخذها عباد الله ؟! إن شهر رمضان لهو شهر الجوائز

إنتبه ... إنتبه عبد الله لتعرف حقيقة رمضان ؟!
رمضان ليس شهر المجاهدة كما يظن الكثير من الناس بل هو شهر الجوائز التى أعدها الله جل وعلى لمن جاهد نفسه طوال العام فيأتى ليأخذ جائزته فى رمضان ويتمتع بمنحة الله عز وجل له ... هذا هو الذى يعرف حلاوة الطاعة من أول ليلة من رمضانلأنه درب نفسه قبل ذلك على هذه الطاعة وأدبها والأمر كما قال قائل :


والنفس كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم !
نفسك هكذا عبد الله نفسك ليست شريرة بل هى مفطومة على الخير وعلى محبة الخير لكن قد عودتها يا عبد الله على الغفلة عودتها الراحة عودتها أن تنال ما تهواه تريد فى لحظة أن تتحول هذه النفس إلى نفس مطمئنة ؟!
تقر بالطاعة وترضى بالعبادة وتطمع أنت أن تجد لذتها وحلاوتها ؟!
ومن رحمة الله جل وعلا على عباده أن يمن عليهم بإفاقة من الغفلة ـ نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بإفاقة من غفلتنا ـ والله سبحانه وتعالى يعطينا الفرص لكى نتدارك أنفسنا فإن كنا قد قصرنا فى عباداتنا فى سائر العام ولنا أن نتأمل أنفسنا عباد الله بصدق وساءلنا أنفسنا ماذا فعلنا بعد رمضان الفائت ؟ وكيف كان حالنا بعد رمضان أين قرآننا الذى عكفنا عليه فى رمضان ؟ أين قيامنا الذى صففنا أقدامنا فى ليالى رمضانقائمين لله جل وعلا ؟ أين صدقاتنا التى أكثرنا منها فى رمضان ؟ أين تلك العهود والمواثيق التى أخذناها على أنفسنا وعاهدنا بها الله جل وعلا أننا لن نعود إلى المعصية أبدا بعد رمضان؟! أين هذا الميثاق الذى قد واثقنا الله عليه أننا بعد أن ذقنا حلاوة الطاعة ألا نتركها ما حيينا .. فإذا بنا عافانى الله وإياكم من أول يوم من أيام العيد نرجع حالتنا الأولى .
ما علينا إلا أن نفيق من غفلتنا عباد الله فى شهر جعله الله تقدمة لرمضان ... جعله الله توطئة وتهيئة لشهر رمضان حتى يتوج الطائعون أعمالهم حتى يتوج العباد والزهاد عبادتهم ... حتى يرجع المذنبون والمسرفون على أنفسهم ويتوبون إلى الله عز وجل ذلك عباد الله هو شهر شعبان .


إنه الشهر الذى يغفل عنه الكثير من الناس وهذا ما أخبرنا به النبى صلى الله عليه وسلم أنه حصاد العام الذى ترفع فيه الأعمال إلى الله جل وعلا أعمال عامك كله .



هل انتبهت إذا على خطورة شهر شعبان قبل أن تفكر فى شهررمضان ؟!
من الآن فكر فى شعبان ماذا أنت فاعل فيه ؟ كيف يكون حالنا عباد الله فى شهر نعرف أن أعمالنا ترفع فيه إلى الله ؟!
فيا عبد الله الطائع ... يا عبد الله الزاهد ... هنيئا لك بعبادتك فى شعبان سيرفع عملك إلى الله عز وجل وأنت على صيام وانت على طاعة .
تدارك عبد الله أمرك فى شعبان وقد كان السلف يسمونه شهر القراء للإقبال على كتاب الله عزوجل درب نفسك حتى تدخل إلى رمضان وقد زكيتها وطهرتها فالعبادة ليست مقصودة لذاتها فلا صيام ولا صلاة ولا زكاة ولا حج إلا للتقرب لله عز وجل وإصلاح حالنا معه .
وإمامنا فى ذلك وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فضل شهر شعبان ليس فقط في أنه، ترفع فيه الأعمال إلى الله عز وجل، وتتدارك فيه ما فاتك، بل أن فيه فضيلة أخرى وهى أن العبادة في شعبان عبادة في وقت غفلة الناس ...

العبادة عندما نستخفي بها أو بمعنى أدق عندما يكون الناس في غفلة وتعبد أنت لله عز وجل، لك أجر عظيم.
عندما يتعبد الناس لله سبحانه وتعالى الكل يتعبد لله عز وجل هذا شئ طيب لكن يختلف الأمر عندما يكون الناس كلهم في غفلة وأنت وحدك تتعبد لله عز وجل.
ولعلك بهذا تدرك لماذا فضل الله تبارك وتعالى الثلث الأخير من الليل لماذا خصه سبحانه وتعالى بالنزول الإلهي وبهذا النداء الذي يتردد في جنبات الكون، هل من سائل فأعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فاغفر له ؟ لماذا ؟ لأن الناس جميعهم نيام، الجميع نائمون،فيقوم قائم يتملق ربه جل وعلا ... ولهذا في وقت الغفلة يستحق هذا الأجر العظيم.
ويا عبد الله المذنب ( وأنا معك ) يا عبد الله العاصى ( وأنا مثلك ) تدارك ما فاتك فىشعبان لعل توبة ترفع من بين أعمالك إلى الله جل وعلا فيتوب الله عز وجل عليك !
مضى رجب وما أحسنت فيه وهذا شهر شعبان المبارك !
فيا من ضيع الأوقات جهلا بحرمتها أفق واحذر بوارك !
فسوف تفارق اللذات قهرا ويخلى الموت كرها منك دارك !


تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مدارك
على طلب السلامة من جحيم فخير ذوى الجرائم من تدارك !
فقد روى النسائي بسند حسن من حديث أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال (( قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهر من الشهور ما تصوم من شعبان – لم أرك تصوم شهرا يعنى تكثر من الصيام في شهر بقدر ما تكثر في شعبان –فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )).