الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة. يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وأى (1) سخيف. عينك مطلوقة، ولسانك يجني الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام.
عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا
فلام قلبي طرفي ... وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا
فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا
كان عيسى عليه السلام يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة.
وقال الحسن: من أطلق طرفه، كثر ألمه.
قال إبراهيم ☆☆☆
(2) :
ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أوتى ومن قلبي
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتسلسل دما، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما بالك؟ " فقال: مرّت بي امرأة، فنظرت إليها، فلم يزل يتبعها بصري، فاستبقني جدار فضربني، فصنع بي ما ترى، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الله إذا أراد بعبد خيرا، عجّل له عقوبته في الدنيا (3) ". (1) الوأى: الوهم.★★★★
(2) هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول. أحد الشعراء المجيدين، وكان جده صول أحد ملوك جرجان، وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وتوفي سنة 243هـ. انظر: وفيات الأعيان 1/44.
(3) رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.★★★
قال أبو يعقوب النهرجوري: رأيت في الطواف رجلا بفرد عين، وهو يقول في طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء، فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته، وإذا بلطمة قد وقعت على عيني، فسالت على خدي، فقلت: آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول: لو زدت لزدناك.
دعوني أناجي مولى جليلا ... إذا الليل أرخى على السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل ... لأرجو به يا إلهي القبولا
لك الحمد والمجد والكبرياء ... وأنت الإله الذي لن يزولا
وأنت الإله الذي لم يزل ... حميدا كريما عظيما جليلا
تميت الأنام وتحيي العظام ... وتنشى الخلائق جيلا فجيلا
عظيم الجلال كريم الفعال ... جزيل النوال تنيل السؤولا
حبيب القلوب غفور الذنوب ... تواري العيوب تقيل الجهولا
وتعطي الجزيل وتولي الجميل ... وتأخذ من ذا وذاك القليل♡♡ا
خزائن جودك لا تنقضي ... تعمّ الجواد بها والبخيلا
قال بعض العارفين: خرجنا من أرض العراق نريد مكة ومدينة المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكنا في رفقة كثيرة من الناس، فإذا نحن برجل من أهل العراق، وقد خرج معنا رجل به أدمة في شقرة وهو مصفرّ اللون، قد ذهب الدم من وجهه مما بلغت فيه العبادة، وعليه ثياب خلقة من رقاع شتى، وبيده عصا ومعه مزود فيه شيء من الزاد.★★
قال: وكان ذلك الرجل العابد الزاهد أويسا القرني، فلما نظر إليه أهل القافلة على تلك الحالة، أنكروه، وقالوا له: نظن أنك عبد. قال: نعم. قالوا: نظن أنك عبد سوء هربت من مولاك. قال لهم: نعم. قالوا: كيف رأيت نفسك حين هربت من مولاك، وما صار حالك إليه؟ أما إنك لو أقمت عنده، ما كانت هذه حالتك، وإنما أنت عبد سوء مقصّر. فقال لهم: نعم والله، أنا عبد سوء، ونعم المولى☆☆☆