الجلد الأسمر يشكو الشّمس الحارقة لسماء تشهد على نيران تلتهم أرواح البشر، ويصبر على الغبار المتراكم على صفحة القدم الهاربة من حذاء صيفيّ يناضل للاستمرار بمهمته الرّسميّة أمام عيون تسامر نجوم السّماء، وأفواه تميل يمنة ويسارا ساخرة من قبح وطمع الفقراء، تتلذذ بالأطعمة الشّهيّة في محلات فاخرة تنشقّ عنها الأرض من غير إنذار، وتنأى بعيونها الجوفاء عن آهات ملايين المحكومين بوجع التّشرّد. أولئك الذين رمتهم حربٌ طاحنةٌ على أرصفةِ العوز، رفضوا أن يمدوا يد الذّلّ لمن يتنعم بسكنى داره، ويسعد بلقمة عيشه متجاهلا أنّ الفتنة تتجوّل، والحرب قد ولجت من أبواب واسعة ولا أحد يعرف درب الخلاص.
تسعى فاطمة لإرضاء ربّ العمل وهي تجرّ قدميها المتهالكة من كثرة الدّوران بين الغرف سعياً لتنفيذ ما يُلقى على كاهلها من واجبات مذ تحييها شمس الصّباح إلى أن تلوّح لها حين الغروب. وربّ العمل يزهو بشهادات مصلوبة على الجدار في إطارٍ مذهّب، ويفخر بأثاث جديد يغيره تماشيا مع الحداثة، ويتأفّف من عاملات لا يُجِدْنَ إتقان العمل وهو يدرك أنهنّ غير مؤهلات، وأنّهنّ وضعن الكتاب جانباً، والتحقن بركب السّاعيات لاكتساب المال حفظاً لماء الوجه، حرصاً على معدة من الخواء، وخوفاً على أجسادٍ من البقاء في العراء، ورغم الوجع ينلن النّصيب الوافر من تقريع وملامة يتجرّعن مهانتها سمّاً لا بدّ من ابتلاعه فهو الطّريق الأمثل للموت وقوفاً.
يعود إلى أسرته متلهفاً، يتمدد أمام المكيّف بعد حمام فاتر، ويشرع بالسّؤال عن دراسة البنت والولد أين وصلت، ويعدهم بالإطارات المذهبة لشهادات يخطب ودّها، ويدفع مهرها من عمل طويل يوجعه لكن يسعده فالغد سلعة يمكنه شراؤها لأولاده بالكثير من الجهد الذي ينجب الكثير من المال.
وتعود فاطمةُ إلى البيت منهكة، تعجز عن خياطة طرف القميص الذي تمزّق وهي تسعى لتنفيذ الأوامر وحماية نفسها من قصائد الاتهام بالتقصير والصّراخ في وجهها أمام العملاء، تتناول بضع لقيمات تسدّ الجوع، تقرأ الفاتحة لروح أب تركهم قبل أن ينضج عمرهم، وسلمتهم الأيام لأقدارهم. تغفو على صفحات الكتاب، وتبسم لها شهادة تعدها بالحريّة من جور صاحب العمل الخاصّ.