عشّشَ الكرهُ في تجاويفِ القلب، وبنى أبراجَهُ في تلافيفِ الدّماغِ بينَ مَنْ كانوا إخوة الأفراحِ وجيرانَ الأتراحِ. تقاذفوا كراتِ الاتّهامِ. تسلّحَ كلٌّ منهم بعبادةِ الذّات. دُقَّت الطبولُ، وارتفعت راياتُ الحربِ. شدّ الموتُ إزارَهُ، واتّخَّذَ الخرابُ قرارَه، وأقامَتْ أبالسةُالإنسِ والشّياطين حفلَ عشاء فاخر بهجةً بأموال ستنمو وأرواحٍ ستغادر.
نصرٌ هنا... وخسارةٌ هناك، وعدّادُ الموتى نهمٌ يسابقُ الثواني علّهُ يحظى بالمزيد من الأرقام.
شجرُ الزّيتونِ يبكي زُرّاعَهُ، ثمراتُهُ تتوسّلُ الأفقَ أن يردّ لها أيدٍ حنونةً. ترابُ الأرضِ يندبُ أحبابه، ويبتهلُ إلى السّماء أن تهدأ نفوسُ العجائز. وضباعُ البشرِ يتلونون بألوانِ قوسِ قزحٍ، يتلذّذونَ بآلام الثكلى واليتيم، ويسرقون قوتَ العاجزِ والشّريد، ويتسابقون على فُتاتِ موائدِ سادةِ الحين. تعجز ميسونُ عن اتّخاذقرارِ الفرار فقد أضاعتِ عنوانَ الأهل، وأعياها البحثُ عن الدّيار لتغدوُ سبيّةً بلا كرامة لا اللّومُ يجدي، ولا تنفع الملامة.ويتخفّى الشّيطانُ في قناعِ ملاك... ويلبس عباءةَ ملك يبكي ضحايا الحزنُ هنا... ويشاركُ بأفراحِ النّصرِ هناك. ويستيقظُ النّاسُ في الصّباحِ ليجدوا حبيباً فارقَ، وبيتاً خرب. وخيبة القلوبِ تكسرُ الأرواحَ حيثُ لا غالبَ و لامغلوب.