عمّاهُ! بِعْ لي كنزةًَ صوفيّةً لأمّي. ولوّح بيده المغلقة.
أحاط البائعُ فنجانَ قهوتِهِ بكفيهِ في ظهيرةٍ تشكو البردَ والكسادَ، وراح يتأمّلُ أسمالَ الفتى العطشى للماء، الجوعى للصّابون.
استرخى على كرسيّ المحلّ وارتدّ للخلف باستخفاف، اكتفى بدفء القهوة، وأشعل لفافته بهدوء وابتسامة عجب تترنّح على شفتيه : فالطالب جريءٌ.
- وما مقاسُ أمّك يا...؟
- تنهّد الفتى، وأضاءت في عينيه شعلة أمل: أمّي مقاسها كبير، قلبها كسير، وحزنها مرير. بيديها حملت ساق أبي، وضمّته مع رأس أخي وشعر أختي. بكفيها دفنتهم في باحة الدّار. وغادرنا يسترنا الليل .
- أصلح البائع جلسته وبرقت عيناه باهتمام: أنت غريبٌ؟
- نعم. خسرَتْ أمّي جدرانَ البيتِ وسرورَ المطبخِ وأُنسَ الجيران. وسارت بنا في شوارعَ تفضح تشردَنا ، وعبرنا أزقةً رفضتْنا، وتصفعُنا أبوابٌ صدّتنا.
- أين تمضون يومكم؟ وكيف؟
- تحملُ أمي أختي على كتفها بعد أن دفنت في ذاك القبر ساقيها، وتصرّ على أن تمسكني بيدها، واليد الأخرى لأخي الذي فقد السمع والكلام.
أمّي لم تغيّر ملابسها المشبعة بدم الرّاحلين فيها رائحة البيت ، صراخ أبي، شجار إخوتي . وإن وجدنا مدخل بناء لننام فيه تناجي الراحلين و تتمتم :برد... برد.
وإن هجعنا على رصيف الصّقيع تنادي جدّتي ، وتدمدمُ: برد... برد.
اصطكاك أسنانها مطارق تمنع تسلل النوم إلى عينيّ، وكلّ يومٍ مثل أيّ يوم: لا مدرسة، لا بيت . الطرقات تطردنا، وتقلُ لقيمات المحسنين في أفواهنا الجائعة.
أمّي مقاسها كبير ... كبير ألا تبيعني الكنزة لأمّي؟
شحب وجه البائع ، أخرج ما في جيبه: خذ ما أملك يا فتى أنا هنا أجير لا أملك ثمن الكنزة، مشرّد إلا أنّ حظي أوفر فقد حلقت زوجتي والأولاد معا إلى السماء.