خطواتُها الوجلةُ تخشى أن تطأ السّجادة. أصابعها تشكو العريّ في شتاءٍ تذكّر قسوة أجدادِهِ ونظراتها الكليلة تخترق الأرض علّها تنفجر عن مزرعةٍ تهبهم من غير إذلال الطّعام. لعلّها تُنبت متجراً قد يجود عليهم بملابس جديدة، فيبسم في وجههن العيد. تقدّمت من سلطانةٍ تتصدّر المجلس وترفُ الحياة يزهو سعيداً على وجهها، وتتألّق المباهج على ملابسها. مدّت الصّغيرةُ أصابعها على استحياء من الضّيوف فملابسها المتهالكة لا تليق، لامست السّلطانة الأنامل، وبنظرةٍ ثلجيّة فهمت الطفلة أن تتوجّه إلى المطبخ، خطواتها آلية تسرع علّها تحظى بالمراد لكنّها تلقّت من حاملة راية السلطانة صفعة: ... لا...لا. هزّت رأسها بألم: هذا دأبهم، كلهم يأكلون، ونحن محرّم علينا جهد الوالد.
خرجت بخطوات عجلى تجرّ مهانة الانكسار تاركة ما لذّ وطاب لأهل الدّار. فهنّ المحرومات من كلّ نعيم والوِزر أنهنّ بنات الابن الذي لم يبق من عقله بعد حادث السّير إلا القليل الذي يعينه على أداء أعمال آليّة في أملاك والده الكثيرة، تطعمه أمّه مما تطبخ فيفرح، و لا يسأل طفلته بمَ أشبعت بطنها هذه الظّهيرة. ولا يهتم عمّ لأمرهن خشية تضييع لقمة على ابنه ، و لا يشفق الجدّ عليهن فالبنات لا يصلحن للعمل، و لا تستحق إحداهن أكثر من قطعة خبز.
خطواتها الخائبة تعاتب طريقاً سئمت الذّهاب والإيابَ عليه طلباً للقمة، تسوّلاً لثمن دفتر أو قلم. أمّا الملابس : لا تقتربْ. ثمنها المرتفع يجعل جديدها محرّمٌ عليهن. والسّلطانة مصرّة على أنّهن يجب أن يرضين بنصيبهن. وقليلاً ما يجود كريم بثياب ابنه التي كادت تتمزق ليسترن بها أجساداً تنمو، ويقبلن أنّ نعيم الحياة ليس لكلّ الناس.
خنقتها دموع جهدت في ابتلاعها، خانتها العبرات رغم تحذير الأمّ بالتزام الصّبر، وشرعت تسقي الإسفلت علّه يرأف بهنّ. والجدّة تمثال الجليد تقدم لضيوفها الفاكهة، وتتأفّف من الغلاء، وتدعو بأن تنزل الأسعار، و أن يشفق التجار على الفقراء، تحوقل متعجبة من قسوة البشر على البشر.